نمو طفيف للاقتصاد الألماني رغم صدمة حرب إيران

نمو طفيف للاقتصاد الألماني رغم صدمة حرب إيران

نمو طفيف للاقتصاد الألماني رغم صدمة حرب إيران

بوندسبنك يرجح زيادة بسيطة في الناتج خلال الربع الثاني بدعم من الصادرات والاستثمار الحكومي، وسط ضغوط الطاقة وتوقع عودة التضخم للارتفاع

رجّح البنك المركزي الألماني (بوندسبنك) أن يكون الاقتصاد الألماني قد سجل نموًا طفيفًا خلال فصل الربيع، رغم الأعباء الناجمة عن حرب إيران وتداعياتها على أسعار الطاقة والطلب العالمي. وجاء في التقرير الشهري للبنك لشهر يوليو أن “رغم الرياح المعاكسة الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط، من المرجح أن يكون الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي قد سجل ارتفاعًا طفيفًا، بعد احتساب العوامل الموسمية، خلال الربع الثاني من عام 2026”.

ومن المنتظر أن ينشر مكتب الإحصاء الاتحادي، الخميس، أول تقدير رسمي للناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة من أبريل إلى يونيو 2026. ويتوقع خبراء الاقتصاد أن يسجل الاقتصاد الألماني نموًا بنسبة 0.1% مقارنة بالربع السابق، وفقًا لوكالة الأنباء الألمانية “د ب أ”، في استمرار لمسار التعافي البطيء الذي يشهده أكبر اقتصاد في أوروبا منذ نهاية.

Web_Photo_Editor-17-2 نمو طفيف للاقتصاد الألماني رغم صدمة حرب إيران

قطاع صناعي صامد وصادرات قوية

يرى خبراء البنك المركزي أن القطاع الصناعي الألماني أظهر قدرة ملحوظة على الصمود، رغم صدمة الطاقة المرتبطة بحرب إيران. وأشار التقرير إلى أن الشركات استفادت من “الطلب القوي في الأسواق الخارجية وارتفاع الصادرات”، حيث ساعدت متانة الطلب العالمي على السلع الألمانية في تعويض جزء من الضغوط الداخلية.

كما يرجح بوندسبنك أن يكون المصدرون الألمان استفادوا من تعرض بعض منافسيهم الدوليين بشكل أكبر لنقص في المنتجات الوسيطة وسلاسل الإمداد، ما منح الشركات الألمانية ميزة نسبية في تلبية الطلب من الأسواق الخارجية. ويأتي ذلك في سياق تحذيرات سابقة من معاهد اقتصادية ألمانية من أن الحرب في الشرق الأوسط قد تكلف الاقتصاد ما يصل إلى 40 مليار يورو خلال عامين إذا استمرت أسعار النفط عند مستويات مرتفعة.

في الوقت ذاته، يبدو أن المستهلكين في ألمانيا تأثروا بدرجة محدودة نسبيًا بارتفاع أسعار الطاقة وما ترتب عليه من تراجع في القوة الشرائية، إذ حافظوا على الأقل على استقرار الإنفاق الاستهلاكي خلال الربع الثاني، وفق تقديرات بوندسبنك. ويرى البنك أن هذا الاستقرار ساعد في منع الاقتصاد من الوقوع مجددًا في حالة انكماش، رغم الضغوط الحادة على ميزانيات الأسر.

التضخم يعود إلى الارتفاع

في المقابل، توقع البنك المركزي أن يرتفع معدل التضخم مجددًا بشكل طفيف خلال الأشهر المقبلة، بعدما تراجع إلى 2.3% في يونيو، مقتربًا من مستوى 2% الذي يستهدفه البنك المركزي الأوروبي على المدى المتوسط.

وأوضح بوندسبنك أن انتهاء العمل بـخصم أسعار الوقود مطلع يوليو، إلى جانب انتقال التأثيرات غير المباشرة للارتفاع الأخير في أسعار الطاقة تدريجيًا إلى أسعار المستهلكين، سيؤديان إلى هذا الارتفاع. فعادة ما تنعكس زيادة أسعار الطاقة على سلة السلع والخدمات المستخدمة في احتساب التضخم بعد فترة زمنية، عبر ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، ثم تمرير جزء من هذه التكاليف إلى المستهلك النهائي.

وتحذر معاهد اقتصادية ألمانية من أن استمرار ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات مثل 100 دولار للبرميل أو أكثر قد يضغط على نمو الناتج المحلي الإجمالي بنحو 0.3 إلى 0.5 نقطة مئوية في 2026، مع ارتفاع إضافي في التضخم، ما يجعل أي تحسن في الاقتصاد الألماني عرضة للتراجع إذا لم تتجه أسعار الطاقة للانخفاض.

استثمارات حكومية تدعم النمو

أشار البنك المركزي إلى أن الاقتصاد الألماني يتلقى دعمًا من استثمارات حكومية ضخمة بمليارات اليورو في مشروعات الطرق والسكك الحديدية والدفاع، وهو ما يساهم في تحريك الطلب الداخلي وتعويض بعض التباطؤ في الاستهلاك الخاص والاستثمار الخاص.

غير أن بوندسبنك أوضح أن مسار الاقتصاد خلال الفترة المقبلة سيعتمد إلى حد كبير على تطورات الصراع بين الولايات المتحدة وإيران. فإذا لم تتفاقم الأوضاع في الشرق الأوسط خلال الربع الثالث، فمن المتوقع أن تكون الأعباء المرتبطة بالحرب أقل مما كانت عليه في المتوسط خلال الربع الثاني. أما إذا شهدت الحرب مزيدًا من التصعيد، مع اضطراب إضافي في إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز، فقد يواجه الاقتصاد الألماني ضغوطًا جديدة على الأسعار والإنتاج.

Web_Photo_Editor-18-1 نمو طفيف للاقتصاد الألماني رغم صدمة حرب إيران

نمو أضعف محتمل في الربع الثالث

في المقابل، يشير البنك إلى أن بعض العوامل المؤقتة التي دعمت الاقتصاد في الربع الثاني قد تتراجع أو تختفي خلال الربع الثالث، ما يعني أن الناتج المحلي الإجمالي قد يحقق نموًا أضعف قليلاً. ويأتي هذا في سياق أوسع تُظهر فيه بيانات القطاع الخاص أن القطاع الخدمي تعرض لانكماش في أبريل لأول مرة منذ عام، وأن الضغوط التضخمية على تكاليف المدخلات وأسعار الإنتاج لا تزال مرتفعة.

وكانت الحكومة الألمانية قد خفضت رسميًا توقعات نموها الاقتصادي لعام 2026 إلى 0.5%، بعد أن كانت التقديرات الأولية تشير إلى نمو بنسبة 1%، عازية ذلك إلى الصدمات الحادة في أسعار الطاقة جراء حرب إيران. كما خُفضت توقعات عام 2027 إلى 0.9% بدلًا من 1.3%، في إشارة إلى أن تأثير الحرب سيستمر لبعض الوقت حتى مع تحسن نسبي في الظروف.

اقتصاد قوي يتعثر لكنه لا يسقط

تؤكد هذه التقديرات أن الاقتصاد الألماني، رغم أنه ليس طرفًا مباشرًا في حرب إيران، يتأثر بها بشكل واضح عبر قناة أسعار الطاقة، وسلاسل الإمداد، وحالة عدم اليقين التي تضغط على الاستهلاك والاستثمار. لكن في الوقت نفسه، يظهر أن البنية الصناعية القوية، ومرونة الصادرات، والدعم الحكومي عبر الاستثمارات العامة، تساعد في إبقاء النمو فوق الصفر وتمنع أكبر اقتصاد في منطقة اليورو من الانزلاق إلى ركود طويل الأمد.

وبذلك، تبدو الصورة الراهنة خليطًا من نمو طفيف، وضغوط تضخمية، ودعم حكومي، ومخاطر جيوسياسية. فإذا هدأت الحرب في إيران وتراجعت أسعار الطاقة، قد يلتقط الاقتصاد الألماني أنفاسه ويحقق نموًا أفضل في 2027. أما إذا استمرت الصدمة الطاقية وتكررت اضطرابات الإمداد، فقد يبقى النمو عند مستويات متواضعة، ويظل التعافي الألماني مرهونًا بتطورات صراع بعيد جغرافيًا، لكنه حاضر بقوة في كل قراءة جديدة لأرقام الاقتصاد.

 

ابقَ على اطلاع دائم بكل جديد في العالم مع المنبر، منصتكم للأخبار الموثوقة.

موقع المنبر

Share this content: