القاهرة تحتضن حوارًا عربيًا صينيًا لرسم مستقبل التعاون
جلسة «الحوار العالمي حول الدراسات الصينية» تبحث تعميق الشراكة بين الصين والدول العربية وتوسيع التعاون في الثقافة والحوكمة والتنمية
القاهرة، 29 سبتمبر/أيلول 2026 – احتضنت العاصمة المصرية القاهرة فعالية «الحوار العالمي حول الدراسات الصينية، جلسة الدول العربية»، بمشاركة نحو 140 شخصًا من المسؤولين والخبراء والأكاديميين وممثلي المؤسسات البحثية والثقافية من الجانبين الصيني والعربي، في لقاء عكس تنامي الاهتمام بمستقبل العلاقات العربية الصينية ودور الدراسات الأكاديمية في دعمها وتطوير مساراتها.
وجاءت الفعالية بوصفها منصة للحوار وتبادل الرؤى حول طبيعة التحولات التي تشهدها العلاقات بين الصين والدول العربية، إلى جانب بحث سبل تعزيز التعاون في المجالات الإنسانية والثقافية والتنموية. وناقش المشاركون عددًا من الملفات التي تتصل بمستقبل الشراكة الصينية العربية، وفي مقدمتها مبادرة الحزام والطريق، والحوكمة العالمية، والذكاء الاصطناعي، والأمن الغذائي، وتغير المناخ، وحماية التراث الثقافي.
العلاقات الصينية العربية.. شراكة تتوسع
أعرب المشاركون عن اعتقادهم بأن العلاقات بين الصين والدول العربية شهدت خلال السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا، وتحولت إلى نموذج للتضامن والتعاون بين الدول النامية. وأكدوا أن هذا التطور لا يقتصر على العلاقات السياسية والاقتصادية، بل يشمل أيضًا التبادل الثقافي والأكاديمي والمعرفي، بما يفتح المجال أمام بناء فهم أعمق للمصالح المشتركة والتحديات المتشابهة.
وتزامنت الفعالية مع زيارة دولة أجراها الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر، حيث توصل مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى توافقات مهمة بشأن تعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الصين ومصر. كما رسم الجانبان آفاقًا جديدة لبناء مجتمع مصير مشترك بين البلدين، في خطوة تعكس الأهمية التي توليها بكين والقاهرة لتطوير العلاقات الثنائية وتوسيع نطاق التعاون في مختلف المجالات.
وأشار المشاركون إلى أن هذا الزخم السياسي يوفر بيئة مواتية أمام الجامعات ومراكز الأبحاث والمؤسسات الثقافية الصينية والعربية لتعميق الاتصالات وتطوير برامج مشتركة، خصوصًا في ظل اتساع مجالات التعاون بين الصين والدول العربية.

دور الأكاديميين في بناء جسور جديدة
أكدت الجلسات أن الأوساط الأكاديمية الصينية والعربية مطالبة بتعزيز التبادلات والتعاون في المجالين الإنساني والثقافي، والمساهمة بقوة في بناء مجتمع مصير مشترك صيني عربي على مستوى أكثر تقدمًا. ولا يقتصر هذا الدور على تنظيم المؤتمرات والندوات، بل يشمل إنتاج الدراسات المقارنة، وإطلاق برامج التبادل الطلابي، وتطوير مشاريع بحثية مشتركة تعالج القضايا التي تهم الجانبين.
ورأى المشاركون أن التعاون الأكاديمي يمكن أن يؤدي دورًا محوريًا في تصحيح الصور النمطية، وتوسيع معرفة كل طرف بتاريخ الآخر وثقافته وتجربته التنموية، فضلًا عن توفير قاعدة معرفية تساعد صناع القرار على فهم البيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الصين والدول العربية بصورة أكثر دقة.
الحضارتان الصينية والعربية.. إرث مشترك
توقف المشاركون عند عمق الروابط التاريخية بين الحضارتين الصينية والعربية، مؤكدين أنهما تمتلكان تاريخًا عريقًا من التفاعل والتبادل عبر طرق التجارة القديمة، ولا سيما طريق الحرير الذي أسهم على مدى قرون في انتقال السلع والأفكار والمعارف بين الشرق والغرب.
ودعا الحاضرون إلى تعميق البحث المشترك في تجارب حوكمة الدولة وإدارتها، والعمل على بناء منظومات معرفية وخطابية تعكس تنوع أنماط الحداثة ومساراتها. وشددوا على أن دراسة التجارب الصينية والعربية بعيدًا عن القوالب الجاهزة يمكن أن توفر دعمًا نظريًا وأكاديميًا لمسيرة التحديث في الجانبين.
كما أكدوا أهمية إتاحة المجال أمام الباحثين الشباب للمشاركة في المشاريع العلمية والحوارات الدولية، باعتبارهم الجيل الذي سيتولى قيادة العلاقات الصينية العربية خلال العقود المقبلة.
الحزام والطريق وأولويات التنمية
احتلت مبادرة الحزام والطريق جانبًا مهمًا من النقاشات، إذ دعا المشاركون إلى التركيز على بنائها عالي الجودة، وشرح نقاط توافق المصالح والتقاء السياسات بين الصين والدول العربية بدقة وموضوعية. وأكدوا أن تعميق مواءمة استراتيجيات التنمية يتطلب تعاونًا بحثيًا ومؤسسيًا مستمرًا، إلى جانب فهم واضح لأولويات كل دولة واحتياجاتها الاقتصادية والاجتماعية.
كما شددوا على ضرورة تحويل التعاون في إطار المبادرة إلى مشاريع عملية تحقق فوائد متبادلة، وتدعم البنية التحتية، والتجارة، والتعليم، والصحة، والطاقة المتجددة، والتحول الرقمي. ومن شأن هذا النهج أن يعزز الثقة بين الجانبين، ويجعل الشراكة أكثر استدامة وقدرة على مواجهة المتغيرات الدولية.

الثقافة والحوكمة العالمية
دعا المشاركون كذلك إلى التطبيق العميق لـ مبادرة الحضارة العالمية، والعمل المشترك على حماية التراث الثقافي ودراسته، ونقل الإرث الحضاري وضمان استمرارية الحضارات عبر التعلم المتبادل والاستفادة من التجارب المختلفة.
وأكدوا أن حماية التراث لا ينبغي أن تقتصر على صون المواقع التاريخية والتحف، بل يجب أن تشمل توثيق الذاكرة الشعبية، والحفاظ على اللغات والفنون التقليدية، وتشجيع الأجيال الجديدة على التعرف إلى موروثها الحضاري وموروث الشعوب الأخرى.
وفي الجانب الدولي، شدد الحاضرون على أهمية تعزيز القدرات البحثية في ملفات الحوكمة العالمية، مثل الذكاء الاصطناعي، والأمن الغذائي، وتغير المناخ. كما دعوا إلى الإسهام في رفع مستوى تمثيل الدول النامية، وزيادة صوتها وحقها في التعبير والمشاركة في صياغة القرارات الدولية.
فعالية ضمن المؤتمر العالمي للدراسات الصينية
تُعد فعالية الحوار العالمي حول الدراسات الصينية – جلسة الدول العربية واحدة من أنشطة التبادل الخارجي للمؤتمر العالمي للدراسات الصينية. وقد حظيت بتوجيه ودعم من المكتب الإعلامي لمجلس الدولة الصيني، ونظمتها بشكل مشترك إدارة الإعلام في حكومة بلدية شانغهاي والأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية في شانغهاي.
وشارك في استضافة الفعالية كل من جامعة الدراسات الدولية بشانغهاي، ومركز الصين والدول العربية للإصلاح والتنمية، وجامعة القاهرة، والمجلس المصري للشؤون الخارجية، ومركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية. ويعكس هذا التنوع المؤسسي رغبة واضحة في توسيع نطاق التعاون بين الجامعات ومراكز الفكر والمؤسسات الإعلامية والدبلوماسية.
وشهد اللقاء أيضًا إصدار قائمة بالكتب البحثية الموصى بها للباحثين الشباب الصينيين والعرب، في مبادرة تهدف إلى دعم القراءة المتخصصة، وتسهيل الوصول إلى الإنتاج الأكاديمي المتعلق بالعلاقات الصينية العربية، وتشجيع الباحثين على تطوير دراسات جديدة تتناول قضايا التعاون والتنمية والحضارة والحوكمة.
وبذلك، أكدت فعالية القاهرة أن مستقبل العلاقات الصينية العربية لن يتحدد فقط عبر الاتفاقيات الاقتصادية أو التفاهمات السياسية، بل أيضًا عبر بناء جسور معرفية وثقافية مستدامة، تمنح الشراكة أساسًا أعمق وقدرة أكبر على التطور في عالم سريع التغير.
ابقَ على اطلاع دائم بكل جديد في العالم مع المنبر، منصتكم للأخبار الموثوقة.
Share this content:


