الرياض تتحرك لتأمين البحر الأحمر عبر تحالف دولي
مشاورات سعودية مكثفة لتشكيل إطار أمني لحماية الملاحة في البحر الأحمر وسط تصعيد الحوثيين وقلق عالمي من تهديد باب المندب وخطوط التجارة
تتحرك السعودية على مسار دبلوماسي وأمني متسارع بهدف تشكيل تحالف دولي لحماية الملاحة في البحر الأحمر، في ظل تصاعد التوترات والتهديدات التي تطاول حركة السفن التجارية في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. وبحسب ما نقلته رويترز عن مصادر مطلعة، تجري الرياض اتصالات ومشاورات مع عدد من الدول لبحث صيغة هذا التحالف، في وقت لا تزال فيه طبيعة الإطار المقترح وتركيبته قيد النقاش ولم تُحسم بعد.
ويأتي هذا التحرك السعودي في لحظة شديدة الحساسية، بعد إعلان جماعة أنصار الله (الحوثيين) في اليمن، في 20 يوليو/تموز، فرض ما وصفته بـ”حصار بحري” على السعودية، في خطوة قالت الجماعة إنها رد على ما تعتبره إجراءات سعودية ضد اليمن. وقد أعقب ذلك تصعيد واضح في البحر الأحمر، حيث تحدث الحوثيون عن استهداف سفن مرتبطة بالسعودية، بينما ردت الرياض بضربات على مواقع في ميناء الحديدة اليمني، قالت إنها تُستخدم لتهديد الملاحة التجارية.
تحالف قيد التشكل
تشير المصادر إلى أن التحالف الدولي المقترح ما يزال في مرحلة المشاورات الأولية، ولم يتحدد بعد شكل المشاركة أو طبيعة الالتزامات المطلوبة من الدول المعنية. إلا أن ما يتضح حتى الآن هو أن الرياض تسعى إلى بناء إطار أمني جماعي يضمن استمرار تدفق السفن التجارية وحماية خطوط التجارة البحرية من أي تهديدات مباشرة أو غير مباشرة، خصوصًا في المناطق الحساسة قرب باب المندب وجنوب البحر الأحمر.
وتعكس هذه الخطوة إدراكًا سعوديًا متزايدًا بأن أمن الملاحة في البحر الأحمر لم يعد شأنًا إقليميًا ضيقًا، بل قضية تتعلق بالتجارة العالمية، وإمدادات الطاقة، وسلاسل الإمداد التي تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا. فكل اضطراب في هذا الممر الحيوي ينعكس سريعًا على أسعار الشحن والتأمين والنفط، ويضع الشركات والحكومات أمام تكاليف إضافية ومخاطر تشغيلية متصاعدة.

باب المندب في قلب الأزمة
تكتسب باب المندب أهمية خاصة في هذه المعادلة، بوصفه المدخل الجنوبي للبحر الأحمر وأحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. فمع مرور نسبة كبيرة من التجارة بين آسيا وأوروبا عبر هذا الشريان، يصبح أي تهديد أمني فيه مصدر قلق مباشر للدول الكبرى وشركات النقل البحري وقطاع الطاقة.
وفي الأشهر الماضية، حذرت جهات دولية وخبراء في الشحن من أن الهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر قد تفضي إلى صدمة جديدة للتجارة العالمية، مع ارتفاع كلفة التأمين وإطالة زمن الرحلات البحرية وتحويل مسارات الشحن إلى بدائل أطول وأكثر كلفة، وهو ما ينعكس على أسعار السلع وسلاسل التوريد العالمية.
تصعيد الحوثيين يفاقم المخاطر
جاء التحرك السعودي بعد أن أعلنت جماعة الحوثي فرض حظر بحري على السعودية، تحت شعار “الحصار بالحصار”، وقالت إن قرارها يدخل حيز التنفيذ فور الإعلان عنه. وزعم الحوثيون أن الخطوة رد على ما وصفوه بـ”الحصار الظالم والغاشم” الذي تفرضه المملكة على اليمن منذ نحو 12 عامًا، وهو خطاب يهدف، بحسب مراقبين، إلى تبرير توسيع نطاق المواجهة البحرية خارج الجبهة اليمنية التقليدية.
ولم يقتصر التصعيد على البيانات. فقد أعقب الإعلان الحوثي حديث عن استهداف سفن مرتبطة بالسعودية، ما أثار مخاوف من انتقال التهديد من مستوى التهديد اللفظي إلى مستوى العمليات الفعلية في البحر الأحمر وخطوط الملاحة الموازية. وردت الرياض بضربات جوية على مواقع في الحديدة، قالت إنها تُستخدم لتهديد الملاحة التجارية، في مؤشر على أن المواجهة دخلت مرحلة أكثر مباشرة.

رد سعودي ورسائل دولية
الرسالة السعودية في هذه المرحلة مزدوجة: فمن جهة، تؤكد الرياض أنها لا تسعى إلى التصعيد، لكنها في المقابل لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي تهديد يستهدف سفنًا تجارية أو منشآت حيوية مرتبطة بتدفق التجارة والطاقة. ومن جهة أخرى، تعمل على حشد دعم دولي لتوسيع مظلة الحماية البحرية بحيث لا تبقى السعودية وحدها في مواجهة تهديدات تتجاوز قدراتها الوطنية وتتصل بأمن الممرات الدولية.
كما أن إشراك دول أخرى في التحالف المحتمل يمنح المبادرة السعودية بعدًا أوسع، لأن حماية الملاحة في البحر الأحمر لا تخدم المملكة فقط، بل تصب في مصلحة عدد كبير من الدول الآسيوية والأوروبية التي تعتمد تجارتها على هذا الممر، فضلًا عن شركات الشحن العالمية وشركات التأمين التي تراقب الوضع عن كثب.
تجارة عالمية تحت الضغط
يرى خبراء النقل البحري والاقتصاد أن استمرار التهديدات في البحر الأحمر قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن بشكل ملموس، بسبب اضطرار بعض السفن إلى تغيير مسارها وعبور طرق أطول مثل رأس الرجاء الصالح. وهذا التحول يطيل زمن الرحلة ويزيد استهلاك الوقود، فضلًا عن كلفة التأمين الإضافية والمخاطر المرتبطة بأمن السفن والحمولات.
وفي هذا السياق، يصبح أي تحرك مثل التحالف الدولي لحماية الملاحة خطوة في الاتجاه الذي تسعى إليه الأسواق والشركات والدول المتضررة: تقليص المخاطر، وإبقاء طرق التجارة مفتوحة، ومنع تحوّل البحر الأحمر إلى نقطة اختناق جديدة في الاقتصاد العالمي.
ما الذي تسعى إليه الرياض؟
يمكن قراءة المساعي السعودية باعتبارها محاولة لخلق مظلة ردع متعددة الأطراف، توازن بين الحاجة إلى حماية السفن السعودية والدولية وبين تجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة مع الحوثيين أو من يقف خلفهم. فالرياض تدرك أن إغلاق البحر الأحمر أو تهديد باب المندب لا يهدد أمنها البحري فقط، بل يضعها في قلب أزمة اقتصادية عالمية قد تتجاوز المنطقة كلها.
ومع أن شكل التحالف الدولي لحماية الملاحة في البحر الأحمر لم يتحدد بعد، فإن مجرد انتقال المشاورات إلى هذا المستوى يشير إلى أن الأزمة باتت تُعامل باعتبارها ملفًا دوليًا ذا أولوية، لا مجرد توتر محلي أو إقليمي. وبين تهديدات الحوثيين، وردود السعودية، وقلق شركات الشحن، تبقى الملاحة في البحر الأحمر أمام اختبار صعب قد يحدد ملامح المرحلة المقبلة في أمن الممرات البحرية العالمية.
ابقَ على اطلاع دائم بكل جديد في العالم مع المنبر، منصتكم للأخبار الموثوقة.
Share this content:


