كل ما تحتاج معرفته عن الليرة السورية الجديدة 2026
إطلاق رسمي لست فئات نقدية برموز وطنية بعيداً عن صور الحكّام واستبدال تدريجي خلال 90 يوماً
تعيش الأسواق السورية حالة من الترقب مع اقتراب موعد بدء التداول الرسمي لليرة السورية الجديدة مطلع يناير 2026، في خطوة وُصفت بأنها تمثل تحولاً محورياً في التاريخ المالي والسياسي للبلاد، إذ تنهي حقبة امتدت لأكثر من نصف قرن منذ إصدار الليرة السابقة التي حملت صور حافظ الأسد ومن ثم نجله بشار، لتدخل سوريا مرحلة نقدية مختلفة عنوانها الشفافية والاستقرار والقطع مع رموز الماضي.
الإعلان عن العملة الجديدة جرى مساء الاثنين في احتفال رسمي بدمشق حضره الرئيس السوري أحمد الشرع وحاكم مصرف سوريا المركزي عبدالقادر الحصرية وعدد من الشخصيات الاقتصادية والمصرفية. واعتُبر هذا الحدث أول خطوة عملية لإعادة هيكلة الاقتصاد السوري بعد عام من تغيّر النظام السياسي وسقوط عهد الأسد في ديسمبر 2024.
ولادة الليرة الجديدة… من رمزية السياسة إلى هوية الوطن
في كلمته خلال إطلاق العملة، قال الرئيس أحمد الشرع إن إصدار الليرة الجديدة يشكّل “عنواناً لمرحلة وطنية جديدة” تتجاوز العصور التي ارتبط فيها النقد بصور الزعماء أو رموز السلطة، مؤكداً أن القرار ليس مجرد استبدال ورق نقدي، بل خطوة لتحرير العملة من “عبادة الأشخاص” وربطها برموز تعكس الجغرافيا السورية وثرواتها الطبيعية.
وأوضح الشرع أن تصميم العملة الجديدة خضع لنقاشات طويلة امتدت لأشهر، ودُرست فيه تجارب العديد من الدول التي أجرت عمليات مماثلة، سواء لحذف الأصفار أو لتغيير التصميم. ووصف العملية بأنها “جراحة دقيقة في بنية النظام النقدي” تتطلب قدراً كبيراً من الحذر والإدارة المتدرجة لضمان عدم حدوث أي اضطرابات مالية، لافتاً إلى أن هدف التغيير هو تبسيط المعاملات المالية وتحسين ثقة المواطنين بالعملة الوطنية.
وشدد الرئيس السوري على أن حذف صفرين من العملة لا يعني بالضرورة تحسناً في سعر الصرف أو ازدهاراً فورياً في الاقتصاد، لكن يسهّل التعاملات اليومية للمواطنين بعد أن أصبحت الفئات القديمة محدودة القيمة، نظراً إلى التضخم الكبير الذي شهدته البلاد خلال عقدين من الصراع الاقتصادي والسياسي.
الفئات الجديدة ومعاني الرموز الوطنية
العملة الجديدة تتكون من ست فئات نقدية تحمل كل منها رموزاً من البيئة والطبيعة السورية تعكس التنوع الثقافي والاقتصادي للبلاد، بعيداً عن الصور السياسية.
-
فئة الـ10 ليرات سورية: تحمل صورة وردة شامية وفراشة، في إشارة إلى الجمال والحياة الجديدة.
-
فئة الـ25 ليرة سورية: تتزين بـ شجر التوت الشامي وطائر السنونو، كرمز للعراقة والانفتاح.
-
فئة الـ50 ليرة سورية: تمثّل الحمضيات التي تشتهر بها الساحل السوري.
-
فئة الـ100 ليرة سورية: تدمج بين وردة القطن وغزال الريم في رمزية للخصوبة والطبيعة المميزة.
-
فئة الـ200 ليرة سورية: تجسد شجر الزيتون والحصان العربي الأصيل، دلالات على القوة والسلام والجذور العريقة.
-
فئة الـ500 ليرة سورية: تحمل صورة عصفور الدوري وسنابل القمح، في إشارة إلى العمل والازدهار والاعتماد على الذات.
وعلى عكس العملة السابقة، تخلّت الحكومة السورية نهائياً عن استخدام صور الرؤساء أو الشعارات السياسية، مكتفية بزخارف مستوحاة من الفن الإسلامي الدمشقي وألوان مستمدة من تاريخ المدن السورية العريقة.
الشرع: التحول النقدي خطوة نحو الاستقرار الاقتصادي
خلال حديثه في الجلسة الحوارية التي أعقبت الحفل، أكد الشرع أن التحول النقدي لن يكون مجرد تعديل شكلي للورقة النقدية، بل جزء من مسار اقتصادي متكامل يعيد بناء الثقة في الاقتصاد الوطني، مشيراً إلى أن التجربة تستند إلى دراسات اقتصادية دقيقة لضمان الاستقرار النقدي وتجنب أي موجات تضخمية.
وقال: “تحسين الاقتصاد يعتمد على زيادة الإنتاج وخفض البطالة، وليس على حذف الأصفار من العملة. الإصلاح الحقيقي يأتي من تطوير القطاع المصرفي، الذي يمثل شريان الحياة لأي اقتصاد وركيزة دعم للسياسات المالية”. وأضاف أن الحكومة تعمل على خطوات متزامنة لتحسين بيئة الاستثمار وتوسيع قاعدة التشغيل في القطاعات الإنتاجية، بما يرسخ أساساً قوياً للّيرة الجديدة.
إجراءات الاستبدال… مراحل وضمانات
من جانبه، أوضح عبدالقادر الحصرية، حاكم مصرف سوريا المركزي، أن فترة استبدال العملة القديمة تمتد 90 يوماً قابلة للتمديد، على أن يُعلن عن أي تمديد قبل نهاية المهلة بمدة 30 يوماً.
وخلال هذه الفترة، سيكون بإمكان المواطنين استبدال العملة القديمة عبر 66 شركة وأكثر من ألف منفذ مخصص لهذه العملية في مختلف المحافظات.
وأضاف الحصرية أن المرحلة التالية ستكون مرحلة السحب التدريجي للعملة القديمة من التداول، مع التأكيد على إلزام جميع المحال التجارية ومكاتب الصرافة بالتسعير بالعملتين خلال فترة الاستبدال، تجنباً لأي ارتباك أو استغلال.
وشدد على أن “العملية لا تحمل أي مخاطر تضخمية”، مؤكداً أن حذف الأصفار وتبديل الأوراق النقدية “لن يؤثر على القيمة الحقيقية للعملة أو السعر في السوق، لأنها عملية تقنية بحتة تهدف لتبسيط الحسابات اليومية”.
كما دعا الحصرية المواطنين إلى الاطمئنان على مدخراتهم وعدم الانجرار وراء الشائعات، موضحاً أن المصرف المركزي لديه احتياطات كافية لضمان استقرار سعر الصرف.
لا تضخم ولا مضاربة
أكد حاكم المصرف المركزي أن الإجراءات المالية المصاحبة للعملية تم تصميمها بعناية لاحتواء أي آثار محتملة على الأسعار أو السيولة، وأن العملة الجديدة تأتي تتويجاً لتحسن الليرة السورية بنسبة 30% خلال عام 2025 بعد مرحلة التحرير السياسي واستقرار الأسواق.
وأضاف أن مصرف سوريا المركزي سيواصل مراقبة الأسواق والتدخل عند الحاجة لمنع المضاربة، داعياً التجار والجهات الاقتصادية إلى “الالتزام بروح الشفافية” واحترام القوانين الخاصة بالتسعير. كما شدد على أن إطلاق العملة الجديدة “مسؤولية وطنية مشتركة”، مؤكداً أن الاستقرار النقدي هو “المعيار الأول” في قرار حذف الأصفار، إلى جانب تحديث القطاع المصرفي وإعادة الثقة بين المواطن والمؤسسات المالية.
رموز الهوية السورية بدلاً من صور السلطة
بإطلاق الليرة الجديدة، تسعى دمشق إلى فتح صفحة اقتصادية جديدة تتناغم مع التحولات السياسية والاجتماعية الكبرى في البلاد، فالليرة الجديدة لم تعد أداة مالية فقط، بل رسالة رمزية لهوية وطنية جامعة تستلهم من الطبيعة والعمالة والزراعة والفن، وتنبذ صور الزعماء التي لطالما كانت حاضرة في التداول النقدي.
ووفق مراقبين اقتصاديين، فإن استبدال العملة يعكس توجهاً نحو فصل الدولة عن الحاكم، وإبراز مفهوم الوطن بكل مكوناته الثقافية والاقتصادية، في إشارة إلى محاولة القيادة السورية الجديدة ترميم العقد الاجتماعي وتعزيز الانتماء الوطني.
نحو اقتصاد أكثر شفافية وثقة
تختم سوريا عام 2025 بتجربة نقدية غير مسبوقة في تاريخها الحديث. وبينما تتجه الأنظار إلى يناير 2026 موعد بدء التداول الرسمي، تؤكد الخطط الاقتصادية أن الليرة السورية الجديدة هي حجر الزاوية في مرحلة “إعادة البناء الاقتصادي” للبلاد.
فمن رموز القمح والزيتون والقطن إلى أشجار الحمضيات وطيور السنونو والخيول العربية، تختصر العملة الجديدة قصة وطن يسعى إلى التعافي واستعادة استقراره المالي. وتظل الثقة بالاقتصاد الوطني، كما قال الرئيس الشرع، “العملة الأهم التي يجب الحفاظ عليها، لأنها الضامن الأساسي لأي إصلاح حقيقي”.
ابقَ على اطلاع دائم بكل جديد في العالم مع المنبر، منصتكم للأخبار الموثوقة.
Share this content:




