الصليب الأحمر: غزة على حافة الانهيار الإنساني

الصليب الأحمر: غزة على حافة الانهيار الإنساني

الصليب الأحمر: غزة على حافة الانهيار الإنساني

انهيار المنازل والفيضانات والذخائر غير المنفجرة يفاقمون معاناة سكان غزة رغم وقف إطلاق النار

حياة لا تُحتمل رغم وقف إطلاق النار

تؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن الحياة اليومية لمئات الآلاف من سكان غزة ما زالت “بالغة الصعوبة”، وأن الأوضاع الإنسانية بعيدة جداً عن العودة إلى ما كانت عليه قبل التصعيد العسكري الأخير. آلاف العائلات ما تزال مشتتة، كثيرون فقدوا أحباءهم، وغالبية السكان تمضي يومها في صراع مرهق من أجل الحصول على أساسيات الحياة: الطعام، الماء النظيف، الدواء، والمأوى الآمن.
أكثر من 80% من مساحة غزة تأثرت بأوامر الإخلاء خلال الأشهر الماضية، ما أدى إلى تكدّس السكان في رقعة ضيقة بالكاد تستوعب هذا العدد الهائل من النازحين. في هذه المساحات المحدودة، لا تعمل الخدمات الأساسية بكفاءة، وتوصف الظروف المعيشية بأنها “صعبة للغاية” إلى حد لا يسمح للمدنيين بالعيش بكرامة؛ فلا خصوصية، ولا مساحة كافية، ولا مرافق نظافة وصرف صحي تلائم الحد الأدنى من المعايير الإنسانية.

نقص الإمدادات وتدهور القدرة على الوصول إلى الاحتياجات الأساسية

تشير المتحدثة باسم الصليب الأحمر إلى حاجة “ماسة” لزيادة كبيرة في الإمدادات الإنسانية لتلبية احتياجات سكان غزة، موضحة أن التذبذب في دخول المساعدات خلال العامين الماضيين جعل كثيراً من العائلات عاجزة عن تأمين ما يكفي من الغذاء أو الوصول إلى ملاجئ آمنة وفعّالة.
يُمضي الناس ساعات طويلة في طوابير انتظار شاحنات المياه، ورغم التراجع النسبي في حدة الأعمال العدائية بعد اتفاق وقف إطلاق النار، لا يستطيع السكان أن يعيشوا بكرامة في ظل هذه الظروف. انخفضت الأسعار جزئياً، لكنها ما تزال أعلى من مستويات ما قبل حرب السابع من أكتوبر 2023، وهو ما يجعل كثيراً من الاحتياجات اليومية بعيدة عن متناول معظم العائلات حتى عند توفرها في الأسواق.

Web_Photo_Editor-14 الصليب الأحمر: غزة على حافة الانهيار الإنساني

نظام صحي شبه منهار وخطر تفشي الأوبئة

النظام الصحي في غزة، وفق تقييم الصليب الأحمر، يعيش حالة “انهيار شبه كامل” بعد فترة تدهور مستمرة بسبب الأعمال العدائية المتكررة. المستشفيات تعاني من نقص حاد في الإمدادات الطبية والأدوية، في الوقت الذي تستقبل فيه باستمرار أعداداً كبيرة من جرحى الحروب والقصف.
العيادات الخارجية ومراكز الرعاية الصحية الأولية تحاول بذل أقصى ما يمكن لتقديم الخدمات للمرضى، خاصة النساء والأطفال الذين حُرموا لفترات طويلة من الرعاية الصحية المناسبة. ويضاف إلى ذلك خطر كبير يتهدد الصحة العامة نتيجة ضعف الوصول إلى المياه النظيفة والصرف الصحي الفعال، ما يرفع احتمالات الإصابة بأمراض مثل الإسهال، والدوسنتاريا، والتهاب الكبد الوبائي (أ)، والتيفوئيد. ومع الضغط المتزايد على المستشفيات ونقص المعدات والأدوية، يُحرم كثير من المرضى من العلاج الفعّال، وترتفع مخاطر العدوى في بيئة مكتظة ومتهالكة.

انهيار المنازل المتضررة ومخاطر الفيضانات والذخائر غير المنفجرة

من أخطر ما يثير قلق الصليب الأحمر هو التقارير المتعلقة بانهيار المباني المتضررة أصلاً من القصف، بفعل الفيضانات وسوء الأحوال الجوية. كثير من المدنيين اضطروا للجوء إلى تلك المنازل المهددة بالانهيار لعدم وجود بدائل، ما يعرض حياتهم للخطر مرتين: الأولى بسبب احتمال سقوط المبنى فوقهم، والثانية نتيجة وجود ذخائر غير منفجرة قد تنفجر في أي لحظة داخل الركام أو في محيط هذه الأبنية.
ومع دخول فصل الشتاء، تتفاقم معاناة النازحين الذين يقيمون في ملاجئ مؤقتة أو خيام مهترئة للموسم الثالث على التوالي. هذه الخيام لا تستطيع الصمود أمام الأمطار الغزيرة والرياح العاتية، ما يعرّض آلاف العائلات لخطر الفيضانات والبرد القارس. خلال الأيام الماضية، عاشت آلاف العائلات ليالي “لا تُحتمل”، فخيام غمرتها المياه، وممتلكات جرفتها السيول، وطرق تحولت إلى برك طينية، ما ضاعف من إحساس الناس بالعجز واليأس.

مياه ملوثة وبيئة خصبة للأمراض والآفات

تحذر اللجنة من أن المياه غير الآمنة يمكن أن تلوث مصادر المياه التي يستخدمها السكان للاستحمام أو الشرب أو غسل الملابس، خصوصاً عندما تختلط بمياه الصرف الصحي والنفايات. هذه الظروف تخلق بيئة مثالية لتكاثر القوارض والحشرات والآفات، وتزيد بشكل كبير من احتمالات تفشي الأمراض المنقولة بالمياه.
أمام هذا الواقع، يؤكد الصليب الأحمر أن أي استجابة إنسانية فعّالة يجب أن تتجاوز تلبية الاحتياجات العاجلة للغذاء والمأوى، لتشمل إصلاح البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، ومعالجة المشكلات الطويلة الأمد التي تهدد الصحة العامة في غزة.

تدخلات الصليب الأحمر: إغاثة عاجلة ومحاولة لاحتواء الكارثة

في مواجهة هذه التحديات، تعمل اللجنة الدولية للصليب الأحمر مع شركائها على الأرض لتلبية الاحتياجات الإنسانية الملحّة. من بين التدخلات التي أُنجزت أو ما زالت جارية:

  • صيانة شبكات مياه وصرف صحي في مناطق مختلفة للتعامل مع ظروف الشتاء والفيضانات.

  • تقديم مضخات متحركة لشفط مياه الأمطار لصالح مصلحة مياه بلديات الساحل، للعام الثاني على التوالي، بهدف التخفيف من تأثير الفيضانات على الأحياء المكتظة.

  • توزيع مستلزمات إيواء للعائلات النازحة المتضررة من الفيضانات، تشمل الخيام، البطانيات، المفارش، الشوادر وأكياس الرمل.

خلال الأسابيع الماضية، وزعت اللجنة مساعدات إضافية تضم مواد نظافة، مستلزمات منزلية، احتياجات للإيواء، ومواد خاصة بالطب الشرعي، إلى جانب البطانيات وغيرها من الاحتياجات اليومية. كما تدعم مطابخ ومخابز المجتمع التي تقدم وجبات لآلاف العائلات النازحة، معتبرة أن هذه المبادرات تمثل “شريان حياة” حقيقياً في ظل الضغط الهائل على السكان.

مستشفى ميداني في رفح وعشرات الآلاف من الاستشارات والعمليات

يدعم الصليب الأحمر النظام الصحي المنهار تقريباً من خلال توفير مستلزمات طبية وتشغيل مستشفى ميداني في رفح يقدم خدماته لجميع المحتاجين. منذ إنشاء هذا المستشفى في مايو/أيار 2024، تم تقديم أكثر من 177 ألف استشارة طبية، وإجراء أكثر من 800 ولادة، وما يزيد على 11 ألف عملية جراحية، معظمها لجرحى الحرب. هذه الأرقام تعكس حجم الضغط على الكوادر الصحية، ومدى اعتماد السكان على هذه المنشأة كمصدر أساسي للرعاية في ظل خروج العديد من المستشفيات الأخرى عن الخدمة أو عملها بقدرات محدودة للغاية.

إدارة النفايات والصرف الصحي وإعادة تأهيل الآبار

إضافة إلى الخدمات الطبية والإيوائية، يدعم الصليب الأحمر برامج الجمع الأولي للنفايات الصلبة وفتح شبكات الصرف الصحي في مدينة غزة، من خلال توفير فرص دخل مؤقتة وشراء المواد الأساسية اللازمة لهذه الأعمال. كما يعمل مع شركائه المحليين على إعادة تأهيل شبكات المياه والصرف الصحي في مختلف مناطق القطاع، ودعم إعادة تأهيل الآبار لتحسين وصول السكان إلى المياه.
وتتضمن التدخلات أيضاً نقل المياه بالشاحنات إلى العائلات النازحة في المناطق التي دمرت فيها الشبكات أو بات الوصول إليها صعباً، في محاولة لتقليل اعتماد الناس على مصادر غير آمنة.

Web_Photo_Editor-13-1 الصليب الأحمر: غزة على حافة الانهيار الإنساني

دور إنساني دقيق في نقل الجثامين ودعم الطب الشرعي

جانب إنساني بالغ الحساسية تتولاه اللجنة الدولية للصليب الأحمر يتعلق بتسهيل إعادة الجثامين في إطار اتفاق وقف إطلاق النار. أوكلت إلى اللجنة مهمة نقل الجثامين بين إسرائيل وغزة بصفتها وسيطاً محايداً، وبناء على طلب الأطراف. يبدأ دورها لحظة تسلم الجثامين عند نقطة العبور، حيث تضمن التعامل معها بعناية وكرامة، وفق المعايير الإنسانية والطبية الشرعية المعترف بها.
وبسبب القدرات المحدودة للغاية لسلطات الطب الشرعي في غزة ونقص المعدات اللازمة للتعرف على الجثامين، يقدم الصليب الأحمر دعماً فنياً ولوجستياً واسعاً، يشمل:

  • تدريب الفرق المحلية على التعامل السليم مع الجثامين.

  • التبرع بأكياس الجثث، بطاقات التعريف، ومعدات الوقاية الشخصية.

  • توفير تجهيزات تكنولوجيا معلومات وأنظمة تبريد.

  • دعم إدارة البيانات المتعلقة بالمفقودين والمجهولين، والمشاريع الخاصة بإدارة المقابر والبنية التحتية الخاصة بها.

تهدف هذه الجهود إلى ضمان توثيق الجثامين مجهولة الهوية بشكل دقيق وإمكانية تتبعها مستقبلاً، بما يمنح العائلات فرصة أكبر للتعرّف على أحبائها والحصول على إجابات تخفف من وطأة الفقدان.

صعوبات العمل الإنساني والحاجة لتكثيف المساعدات

توضح اللجنة أن العاملين في المجال الإنساني في غزة واجهوا خلال الأربع والعشرين شهراً الماضية تحديات أمنية ولوجستية بالغة التعقيد، وأن دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ كان مصدر ارتياح نسبي، لكنه لم يُنهِ العقبات الكبيرة في طريق تلبية الاحتياجات المتزايدة على الأرض.
حجم الدمار الهائل والنزوح الجماعي جعل نطاق الاحتياجات يتسع إلى درجة لا يمكن لأي جهة واحدة تلبيتها. لذلك تشدد اللجنة على ضرورة تنسيق العمل بين مختلف الفاعلين الإنسانيين، وإيصال أي زيادة في المساعدات إلى المدنيين بطريقة آمنة تحترم كرامتهم، مع مراعاة خطر الذخائر غير المنفجرة المنتشرة في مناطق واسعة من القطاع.

المعتقلون الفلسطينيون وحق العائلات في المعرفة

على صعيد آخر، تعرب اللجنة الدولية للصليب الأحمر عن قلقها العميق لعدم تمكنها من الوصول إلى المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. وتؤكد على ضرورة إبلاغها بأسماء جميع المعتقلين، والسماح لها بزيارتهم وفق ما ينص عليه القانون الدولي الإنساني، الذي يلزم بمعاملة المعتقلين معاملة إنسانية، وتأمين ظروف احتجاز مقبولة لهم، وتمكينهم من التواصل مع عائلاتهم.
تنتظر عائلات فلسطينية كثيرة بفارغ الصبر أي خبر عن أبنائها، في ظل قلق شديد على سلامتهم وصحتهم، وتواصل اللجنة حوارها مع السلطات الإسرائيلية لاستئناف الزيارات لجميع المعتقلين الفلسطينيين، باعتبار ذلك جزءاً أساسياً من ولايتها الإنسانية ودورها كوسيط محايد.

في المحصلة، تنقل شهادة الصليب الأحمر صورة غزة كمنطقة تعيش على حافة الانهيار الإنساني: بيوت تتهاوى، بنية تحتية مدمرة، نظام صحي منهك، وأوضاع معيشية لا تليق بكرامة الإنسان. ورغم أن وقف إطلاق النار أتاح متنفساً محدوداً، فإن الطريق لا يزال طويلاً نحو التعافي، ويتطلب استجابة دولية أشمل وأسرع، تضع كرامة المدنيين في غزة في صدارة الأولويات.

 

ابقَ على اطلاع دائم بكل جديد في العالم مع المنبر، منصتكم للأخبار الموثوقة.

موقع المنبر

Share this content: