إسرائيل بين انتصارات خاطفة وتحديات الجبهة الداخلية
شهدت إسرائيل خلال الأيام الأولى من المواجهة مع إيران لحظات من النشوة العسكرية، بعد توجيه ضربات جوية نوعية استهدفت منشآت نووية وقواعد عسكرية وقادة بارزين داخل إيران. إلا أن هذه النشوة لم تدم طويلاً، إذ سرعان ما تبددت مع سقوط أولى الصواريخ الإيرانية على تل أبيب ووسط إسرائيل، لتدخل البلاد في مرحلة جديدة عنوانها القلق من تداعيات الحرب وتحديات الجبهة الداخلية134.
ضربات إسرائيلية غير مسبوقة ونشوة أولية
في فجر الجمعة 13 يونيو 2025، أطلقت إسرائيل عملية عسكرية واسعة النطاق ضد أهداف إيرانية، شملت منشآت نووية في نطنز وأصفهان وفوردو، ومصانع صواريخ باليستية، بالإضافة إلى اغتيال قادة عسكريين بارزين من الحرس الثوري الإيراني35. واعتبرت القيادة الإسرائيلية أن هذه الضربات تمثل “تغييراً في وجه الشرق الأوسط” وتمنح إسرائيل حرية حركة غير مسبوقة في الأجواء الإيرانية13.
خلال الساعات الأولى، سادت أجواء من الفخر والاحتفال في الأوساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية، حيث تم تسويق العملية كإنجاز استراتيجي وتفوق استخباراتي وعسكري. تبنى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو خطاب النصر، معتبراً أن إسرائيل وجهت ضربة قاصمة لقدرات إيران النووية والعسكرية، وأن الطريق إلى طهران بات مفتوحاً أمام سلاح الجو الإسرائيلي3.
الرد الإيراني: صواريخ دقيقة وتبدد النشوة
لم تتأخر إيران في الرد، إذ أطلقت موجات من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة التي أصابت أهدافاً حساسة في تل أبيب ووسط إسرائيل، بما في ذلك محاولة استهداف مقر وزارة الدفاع الإسرائيلية “الكرياه”14. هذه الضربات الإيرانية خلفت دماراً واسعاً في مناطق رمات غان، تل أبيب الكبرى، حيفا، بني براك، وريشون لتسيون، وأسفرت عن سقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى، فضلاً عن أضرار جسيمة في البنية التحتية ومئات المباني السكنية134.
هنا، بدأ المزاج الإسرائيلي يتغير، حيث انتقل من نشوة الإنجاز العسكري إلى القلق من تداعيات الهجمات المضادة. وأقر محللون إسرائيليون بأن الاستراتيجية التي اعتمدت على الضغط الشعبي من خلال قصف مناطق سكنية مجاورة لمنشآت عسكرية في طهران لم تحقق أهدافها، كما فشلت سابقاً في غزة ولبنان، نظراً لحجم إيران وتماسك نظامها السياسي والاجتماعي3.
الجبهة الداخلية الإسرائيلية: تحت الضغط
صرح ضابط كبير في قيادة الجبهة الداخلية الإسرائيلية أن وحداته لم تتعامل مع دمار شامل بهذا الحجم منذ سنوات، وأن البلاد شهدت خلال الأيام الأولى من الهجمات الإيرانية نحو عشرة مواقع دمار شامل4. وأكد محلل الشؤون الاستخباراتية في صحيفة “هآرتس” يوسي ميلمان أن إسرائيل تدفع الآن ثمناً داخلياً باهظاً، مع عشرات القتلى ومئات الجرحى ودمار غير مسبوق للبنية التحتية34.
ورغم الإشادة بقدرات سلاح الجو والموساد في تنفيذ عمليات دقيقة، إلا أن ميلمان شدد على أن الحروب لا تُحسم بالضربة الأولى أو بالتفوق الجوي فقط، بل تُختبر على الأرض ومع مرور الوقت، مستشهداً بتجارب فيتنام، أوكرانيا، غزة ولبنان3.
وأشار ميلمان إلى أن إيران أظهرت صلابة غير متوقعة، مستندة إلى تاريخ طويل من الصمود، كما حدث في الحرب الإيرانية العراقية التي استمرت ثماني سنوات رغم القصف والأسلحة الكيميائية، وخرجت منها بعقيدة ردع صاروخية راسخة3.
مخاوف من حرب استنزاف وتداعيات اقتصادية
يحذر محللون من انزلاق إسرائيل إلى حرب استنزاف قد تعجز عن كسبها، خاصة مع توسع الهجمات لتشمل قطاع الطاقة الإيراني، ما قد يؤدي إلى أزمة نفط عالمية ويستدعي تدخل قوى كبرى كالصين للدفاع عن مصالحها35. وتؤكد التقارير أن الجبهة الداخلية الإسرائيلية متماسكة نسبياً حتى الآن، لكن صبرها ليس بلا حدود، ومع استمرار الخسائر، قد تتآكل متانة المجتمع الإسرائيلي34.
دعوات لفتح مسار سياسي وتجنب فخ النشوة
يرى رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية في جامعة تل أبيب ميخائيل ميلشتاين أن النجاحات العسكرية الأولية لا يجب أن تقود إلى نشوة زائدة أو شعارات سحرية مثل “تدمير البرنامج النووي الإيراني”، بل يجب فتح مسار سياسي عبر واشنطن نحو اتفاق يقلص البرنامج النووي الإيراني، حتى إن لم ينهه بالكامل3.
ويحذر ميلشتاين من أن التمسك الأعمى بالحل العسكري قد يجر إسرائيل إلى مواجهة طويلة مع قوة إقليمية يصعب التقليل من شأنها، مشدداً على ضرورة أن تظهر القيادة الإسرائيلية اهتماماً جدياً بمتانة الجبهة الداخلية التي تآكلت جراء القتال المستمر منذ أكتوبر 20233.
اختبار لنتنياهو: وحدة الداخل قبل الخارج
في مقال بصحيفة “معاريف”، اعتبر الدكتور نحمان شاي أن الحرب الحالية كشفت هشاشة البنية الاجتماعية والسياسية داخل إسرائيل، وأن نجاح إسرائيل في الحرب لا يُقاس بالإنجازات العسكرية فقط، بل بقدرتها على ترميم وحدتها الداخلية3. ودعا شاي رئيس الوزراء نتنياهو إلى اتخاذ خطوات شجاعة لوقف الانقسام الداخلي واستعادة الثقة بالمؤسسات، لأن مواجهة الخطر الإيراني تتطلب قيادة موحدة ومجتمعاً متماسكاً، حتى لا تتحول الحرب الخارجية إلى مقدمة لانهيار داخلي3.
من الانتصار السريع إلى تحديات البقاء
تكشف تطورات الصراع الإيراني الإسرائيلي أن الحروب الحديثة لا تُحسم بضربة استباقية أو تفوق جوي، بل بتماسك الجبهة الداخلية والقدرة على الصمود أمام تداعيات الاستنزاف طويل الأمد. ومع تصاعد الضربات المتبادلة وارتفاع أعداد الضحايا المدنيين، تبدو نهاية الحرب بعيدة، فيما تزداد المخاوف من تداعيات اقتصادية وأمنية قد تتجاوز حدود المنطقة1345.
ابقَ على اطلاع دائم بكل جديد في العالم مع المنبر، منصتكم للأخبار الموثوقة.
Share this content: