هل أوقع مادورو واشنطن في الفخ
التدخل الأميركي في فنزويلا يعيد جدل واشنطن الأبدي بين استعراض القوة وغياب الرؤية الإستراتيجية
منذ أن نفّذت الولايات المتحدة عمليتها الخاطفة في فنزويلا واعتقلت الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، يحتدم الجدل في الدوائر السياسية والإعلامية حول الهدف الحقيقي من الخطوة الأميركية وتداعياتها على المدى البعيد. فبين من يصفها بـ”الانتصار التاريخي” ومن يراها مغامرة غير محسوبة، يبدو أن واشنطن عادت إلى لعب دور الشرطي الدولي الذي لطالما حاولت التخفيف من أعبائه منذ عقود.
المفارقة أن العملية تأتي في سياق تناقض معلن بين خطاب البيت الأبيض حول تقليص التدخلات الخارجية، وبين إصراره المتواصل على تأكيد الهيمنة الأميركية في النصف الغربي من الكرة الأرضية، وفقاً لما نصّ عليه “ملحق ترامب على مبدأ مونرو”، الذي أعاد تعريف مفهوم الأمن القومي الأميركي من منظور ميداني هجومي.
استراتيجية “الفرقعة بلا التزام”
الكاتب البريطاني فريدي غراي وصف في مجلة سبِكتاتور ما جرى في فنزويلا بأنه “فرقعة العام الجديد” التي أراد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن يعلن بها عودة أميركا إلى ساحة الصراعات، لكن بأسلوب مختلف. فالولايات المتحدة، وإن كانت تقلّص من حروبها الطويلة في آسيا والشرق الأوسط، فإنها اليوم تفضّل استخدام قوة صادمة قصيرة المدى تحقق أهدافاً سياسية فورية من دون التورط في احتلال أو إعادة إعمار أو التزامات مالية ثقيلة.
ترامب لا يريد تكرار نموذج أفغانستان والعراق، بل يسعى لتكريس نموذج التدخل المحدود والمفاجئ كما في فنزويلا، حيث يُنفَّذ الهدف خلال أيام من دون خسائر بشرية تذكر، ثم تُترك الفوضى لتُرتّب نفسها. ويشير الكاتب الأميركي المحافظ جيمز ديدامز إلى أن الرئيس لا يرفض الدبلوماسية بالقوة، لكنه يرفض “الخُطَب الأخلاقية الطويلة” التي كانت تصاحبها في عهد الإدارات السابقة.
لهذا السبب لم يتحدث ترامب بعد اعتقال مادورو عن “الديمقراطية” أو “حقوق الإنسان”، بل استخدم خطاباً مباشراً عن “النفط وإدارة الموارد”، مؤكداً بوضوح أن الهدف اقتصادي قبل أن يكون سياسياً، وهو ما جعل كثيرين يرون في العملية نموذجاً جديداً للسياسة الواقعية الأميركية الخالية من الشعارات الليبرالية.
إدارة الصراع لا بناء النظام
لكن هذا النهج، وإن نجح في تحقيق التأثير الفوري، يفتقر إلى الرؤية البعيدة المدى، وهو ما اعتبره الباحث كريم الماجري في تحليل عبر منصة ميدان “أخطر ما في عقيدة ترامب الخارجية”، حيث لا تملك واشنطن خطة حقيقية لـ”اليوم التالي” لأي تدخل. فالغاية هي إسقاط الخصوم وإثبات القوة، وليس بناء نظام مستقر يحفظ مصالحها.
هنا تكمن المفارقة: بعد أن بنت الولايات المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية نظاماً دولياً مستداماً عبر مشروع “مارشال” لإعادة إعمار أوروبا واليابان، تحاول اليوم السير بالعكس تماماً. فهي تزيح الأنظمة المزعجة – كما في العراق أو ليبيا أو فنزويلا – دون توفير بدائل عاقلة، تاركة فراغاً قد تملؤه الفوضى أو الجماعات المسلحة لاحقاً.
ويحذّر فيل غانسون، محلل شؤون أميركا اللاتينية في مجموعة الأزمات الدولية، من أن الولايات المتحدة “تعرف تماماً كيف تُسقط الأنظمة، لكنها عاجزة عن بناء غيرها”. فالمعادلة البسيطة تقول: كسب المعركة لا يعني ربح الحرب.
المعارضة الفنزويلية بين الوهم والواقع
كان كثير من قادة المعارضة في كاراكاس يعتقدون أن نظام مادورو في طريقه إلى السقوط. فقبل أشهر، نقلت واشنطن حاملة الطائرات “يو إس إس جيرالد فورد” إلى البحر الكاريبي، ورفعت مستوى التنسيق الاستخباراتي مع وكالة الـCIA، ما أطلق إشارات واضحة بأن التصعيد العسكري مسألة وقت.
وبينما كانت المعارضة، بقيادة ماريا كورينا ماتشادو، تراهن على تدخل خارجي يُسقط النظام، تجاهلت أن فنزويلا لا تملك بنية داخلية جاهزة للانتقال السلمي. فمنظومة الدولة مترنّحة، والمؤسسات الأمنية والعسكرية مبنية على الولاء الشخصي لا على الاحتراف.
حين أُعلن فوز مادورو بولاية جديدة في انتخابات 2024 المثيرة للجدل، كان الشارع الفنزويلي غارقاً في الإحباط، والمعارضة عاجزة عن الحشد. عشرات القتلى وآلاف المعتقلين أحبطوا آخر محاولات العصيان المدني. ومن هنا، وفق مراقبين، نشأت قناعة أميركية بأن الحل العسكري هو الطريق المختصر للإطاحة بمادورو، وهو ما تحقق فعلاً لكن بثمن استراتيجي باهظ.
هشاشة الداخل وانكماش الاقتصاد
تزامناً مع سقوط النظام، كان الاقتصاد الفنزويلي على حافة الانهيار. فبعد عامين من نمو طفيف، توقّع صندوق النقد الدولي تسارع التضخم إلى 700% في 2026 وتدهوراً في سعر الصرف السنوي. الدولار، الذي كان يساوي 226 بوليفاراً في السوق الرسمية مطلع 2025، تجاوز عتبة 300 بوليفار في السوق الموازية نهاية العام نفسه، فيما بلغ الحد الأدنى للأجور أقل من دولار واحد شهرياً.
والنتيجة أن ثمانية من كل عشرة فنزويليين يعيشون تحت خط الفقر، وأكثر من ثمانية ملايين شخص هربوا خارج البلاد في أكبر موجة نزوح بتاريخ أميركا اللاتينية الحديث. هذه الأزمة الشاملة ساعدت في خلق بيئة اجتماعية منهكة مستعدة لتقبّل أي تغيير، حتى لو جاء على ظهر مدرعة أميركية.
خطر الفوضى بعد مادورو
لكن ماذا بعد سقوط مادورو؟ هنا يبدأ المأزق الأميركي الحقيقي. ففنزويلا، بحسب تقديرات محللين، مليئة بالجماعات المسلحة والعصابات المحلية والإقليمية مثل تنظيم “جيش التحرير الوطني” الكولومبي وميليشيات “الكوليكتيفوس” وشبكة “ترين دي أراغوا” الإجرامية. وهذه التنظيمات ازدهرت في ظل النظام السابق باتفاقات تسوية ضمنية مع الحكومة، لكنها الآن ستقاتل للاحتفاظ بمناطق نفوذها.
ويشير خوان غونثاليث، المستشار السابق للرئيس جو بايدن لشؤون أميركا اللاتينية، إلى أن البلاد قد تدخل مرحلة “حرب منخفضة الحدة طويلة الأمد” تشبه ما شهدته كولومبيا في التسعينيات. وفي غياب مؤسسات أمنية موحدة أو قيادة سياسية متماسكة، تصبح الفوضى احتمالاً أقرب من الديمقراطية.
مأزق المعارضة وصعود المتشددين
بعد انهيار الحكومة الانتقالية السابقة وفرار زعيمها خوان غوايدو، وجدت المعارضة نفسها مشرذمة ومثقلة بالخيبات. غير أن صعود ماريا كورينا ماتشادو – الحاصلة على جائزة نوبل للسلام لعام 2025 – أطلق أملاً متجدداً في إمكانية التغيير عبر الانتخابات، قبل أن تحظر السلطات ترشحها. رغم ذلك، بقيت رمزاً قوياً لدى التيار المؤيد للحل العسكري، لكنها لم تقدم بديلاً اقتصادياً أو سياسياً واضحاً.
ومع اعتقال مادورو وغياب خطة انتقالية، يُرجّح أن تجد نفسها وحلفاءها أمام فراغ سياسي يملؤه العسكريون الذين قد يفرضون نظاماً أكثر صرامة. فالعلاقة بين المعارضة والجيش ظلت هشّة، والرهان على دعم الجنرالات الملوثين بملفات تهريب المخدرات يبدو، كما يرى محللون، رهاناً محفوفاً بالمخاطر.
ما بين الحلم الديمقراطي والواقع الصعب
حققت المعارضة الفنزويلية انتصارات نوعية حين لجأت إلى الوسائل السياسية والدبلوماسية لا إلى العنف. ففي انتخابات 2015 مثلاً، فازت بأغلبية برلمانية ساحقة، وفي اتفاقات بربادوس عام 2023 فتحت الباب لانتخابات مراقَبة دولياً. ولكن التعجّل والانقسام الداخلي أعادا المشهد إلى المربع الأول.
اليوم، تبدو واشنطن ومعارضتها المفضّلة محصورتين في معضلة غياب الخطة البديلة: فالتدخل العسكري نجح في إزالة خصمها اللدود، لكنه فشل في تحقيق الاستقرار أو بناء مؤسسات قابلة للحياة. ومن دون رؤية سياسية حقيقية لإعادة بناء الدولة، فإن إسقاط النظام قد يفتح الباب أمام نظام أكثر قسوة أو فوضى شاملة.
الخلاصة: نصر تكتيكي وخسارة إستراتيجية
من الواضح أن عملية اعتقال مادورو شكلت “لحظة استعراض قوة أميركية”، لكنها لم تُقنع حلفاء واشنطن ولا خصومها بأن الأخيرة استعادت دورها كقوة دولية منضبطة. فحين تصبح القوة غاية لا وسيلة، يتحول النصر السريع إلى فخّ استراتيجي طويل الأمد.
لقد قدّمت واشنطن مثالاً جديداً على معادلة مألوفة: تستطيع إسقاط الأنظمة بسهولة، لكنها لا تستطيع بناء دول قادرة على البقاء بعدها. وبينما يحتفل ترامب بـ”الفرقعة الكبرى” التي افتتح بها عامه السياسي، تبدو فنزويلا عالقة بين أنقاض نظامها السابق وأسئلة بلا إجابات عن مستقبلها القادم – تماماً كما علقت واشنطن نفسها في فخّ القوة الذي نصبته بيديها.
ابقَ على اطلاع دائم بكل جديد في العالم مع المنبر، منصتكم للأخبار الموثوقة.
Share this content:




