نتنياهو يضع ترامب أمام ثلاثة خيارات حاسمة
قمة مرتقبة بين واشنطن وتل أبيب تحدد ملامح المرحلة المقبلة في غزة وإيران ولبنان
تتجه أنظار الشرق الأوسط إلى قمة تجمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المقررة في التاسع والعشرين من الشهر الجاري، وهي قمة توصف بأنها “حاسمة” في رسم مسارات عدة ملفات إقليمية، من غزة ولبنان إلى إيران. فكلما طُرح سؤال حول مستقبل الحرب في غزة أو احتمالات التوسع العسكري باتجاه لبنان أو طهران، يأتي الجواب واحداً: انتظروا نتائج لقاء ترامب ونتنياهو.
هذا الترابط الوثيق بين مخرجات تلك القمة والأزمات الساخنة في الإقليم يعكس إلى حدّ كبير هشاشة القرار الإقليمي واستمرارية تبعيته لمحاور القوى الكبرى، ويجسّد واقعاً مقلقاً يتمثل في أن مصائر عشرات الملايين في المنطقة تُناقَش خلف أبواب مغلقة بين واشنطن وتل أبيب، بعيداً عن إرادة شعوبها ورؤية قادتها.
انتظار ثقيل وملفات مفتوحة
تجمّدت ملفات كبرى في انتظار ما ستؤول إليه قمة ترامب – نتنياهو، إذ يُنظر إليها باعتبارها نقطة انطلاق جديدة لإعادة صياغة أولويات الشرق الأوسط بعد سلسلة من الحروب والأزمات الممتدة منذ عامين.
ففي غزة مثلاً، لم تُحسم بعد تفاصيل الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق العاشر من أكتوبر، التي يُفترض أن تكرّس وقف إطلاق النار وتطلق مسار إعادة الإعمار. كذلك، فإن احتمالات اندلاع مواجهة إسرائيلية واسعة في لبنان، أو استئناف الحرب الإسرائيلية – الأميركية المحدودة ضد إيران، كلها موضوعة على الطاولة بانتظار ما سيتفق عليه الشريكان.
هذه الحالة من “الترقب السلبي” تنقسم في تقييمها بين رؤيتين: الأولى نصف الكأس الفارغ، الذي يرى فيها دلالة على عجز المنطقة وتسليمها لمعادلات القوى الدولية؛ والثانية، نصف الكأس الممتلئ، إذ يعكس التباين القائم بين واشنطن وتل أبيب مؤشراً على إمكانية تقييد نزعات التطرف العسكري لدى الحكومة الإسرائيلية.
توازنات دقيقة بين الحليفين
في الخلافات الأميركية الإسرائيلية الراهنة ثمة من يميل إلى المبالغة في تقديرها، ومن يقلل من أهميتها. فبعد الكشف عن استراتيجية الأمن القومي الأميركية (مبدأ ترامب)، بدا أن منطقة الشرق الأوسط لم تعد ضمن أولويات واشنطن المركزية. غير أن الوثيقة نفسها أكدت استمرار الالتزام الأميركي بأمن إسرائيل وتفوقها العسكري، مع الإبقاء على إيران تحت بند “التهديد المستمر”.
هذه الازدواجية تعني أن الولايات المتحدة، وإن كانت تسعى لتقليص انخراطها العسكري المباشر في المنطقة، فإنها لن تسمح بأي مسّ بالمكانة الخاصة لإسرائيل في استراتيجيتها الإقليمية. وعلى هذا الأساس، فإن الخلافات بين ترامب ونتنياهو ستبقى تكتيكية لا جوهرية، ولن تصل إلى حد القطيعة.
غزة: بين براغماتية ترامب وتشدد نتنياهو
يبرز الملف الغزّي كأحد أكبر نقاط التباين بين واشنطن وتل أبيب. ترامب، الذي بصم اسمه على “خطة النقاط العشرين” لإنهاء الحرب على غزة، يسعى لتحويلها إلى قرار صادر عن مجلس الأمن برقم 2803، بمراسم احتفالية في شرم الشيخ، ضمن رؤية شاملة تعتبر “غزة بوابة لإعادة ترتيب الشرق الأوسط”.
أما نتنياهو فيرى غزة بعين حلفائه المتطرفين بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، الذين لا يرون حلاً سوى التدمير والتهجير. فبينما يسعى ترامب لإنجاز صفقة سياسية تغلق ملف الحرب وتدخل التاريخ على أنها “اتفاق السلام الأهم منذ عقود”، يواصل نتنياهو المماطلة في تنفيذ التزاماته متذرعاً بالاعتبارات الأمنية والدينية.
الاختلاف يمتد إلى تفاصيل ما بعد الحرب: مصير سلاح حماس، هوية الإدارة الجديدة للقطاع، طبيعة قوات حفظ الاستقرار، وترتيب أولويات إعادة الإعمار والمساعدات الإنسانية. هنا يلتقي البراغماتي الأميركي مع الواقعي الأوروبي، بينما ينعزل الأيديولوجي الإسرائيلي برؤيته القائمة على التفوق الديني والسيطرة الكاملة.
توافق على الخطوط العريضة في لبنان
على جبهة لبنان، يبدو التقاطع بين ترامب ونتنياهو أكبر. فكلاهما يرى أن الجبهة الشمالية لإسرائيل يجب أن تبقى في حالة ضغط دائم على حزب الله، عبر حرب استنزاف طويلة منخفضة الكلفة لكنها متواصلة.
الجانبان يتفقان على فصل مسار الحرب ضد حزب الله عن مسار التفاوض مع الدولة اللبنانية. ففي الوقت الذي تدعو فيه واشنطن لتجنّب استهداف مؤسسات الدولة اللبنانية أو تعطيل التسوية الداخلية الهشة، تواصل إسرائيل هجماتها الجوية المحدودة على الجنوب اللبناني بذريعة منع التموضع العسكري للحزب.
أي تسوية مستقبلية هنا – في نظر الأميركيين – يجب أن تضمن سحب سلاح حزب الله لصالح الجيش اللبناني، وهو ما تعتبره واشنطن “البديل الطبيعي والوحيد لسيطرة الحزب”.
إيران: ثلاث خيارات على طاولة ترامب
الملف الإيراني سيحتل موقع الصدارة في لقاء القمة، إذ يستعد نتنياهو لعرض ثلاثة خيارات عسكرية محتملة أمام الرئيس الأميركي:
-
ضربة مشتركة أميركية – إسرائيلية تشبه هجمات يونيو/حزيران الماضي.
-
ضربة إسرائيلية بدعم استخباري ولوجستي أميركي.
-
ضربة إسرائيلية منفردة تحت غطاء سياسي من واشنطن.
لكن الحسابات تشير إلى أن الخيار الثالث يبدو مغامرة محفوفة بالمخاطر، إذ أثبتت حرب الأيام الـ12 أن إسرائيل تعتمد كلياً على الدعم الأميركي في الدفاع والهجوم على السواء. فحتى قدرتها على اعتراض الصواريخ الإيرانية كانت مشروطة بمشاركة بطاريات أميركية وحلفاء إقليميين.
من جهة أخرى، ترى واشنطن أن إيران بعيدة حالياً عن استئناف برنامجها النووي بعد الضربات الأخيرة، ولا تشاطر إسرائيل مخاوفها بشأن المدى الحقيقي للبرنامج الصاروخي الإيراني. فالأميركيون يعتبرون أن أولوية المواجهة مع طهران تقع في نطاق “أذرعها الإقليمية”، مثل الحشد الشعبي في العراق، لا في المواجهة المباشرة.
واشنطن تعيد توزيع اهتمامها الإقليمي
انشغال الولايات المتحدة بملفات أمريكا اللاتينية والكاريبي، ومحاولتها استكمال التسوية بين كييف وموسكو وبروكسل في الحرب الأوكرانية، قلل من شهية واشنطن لأي حرب جديدة في الشرق الأوسط.
كما أن العلاقات العربية – الإيرانية آخذة في التحسن مقارنة بفترة ولاية ترامب الأولى، والحلفاء العرب فقدوا الحماسة لمشاريع تحالفات عسكرية ضد إيران بعد اتفاقات التهدئة الأخيرة في اليمن والبحر الأحمر والخليج.
وعليه، تبدو في واشنطن اعتبارات جديدة أكثر برودة تجاه اندفاعات نتنياهو العسكرية، إذ ترى الإدارة الأميركية أن الوقت ليس مناسباً لتفجير مواجهة إقليمية قد تهدد استقرار أسواق الطاقة أو تُعقّد الملفات الدولية الأهم حالياً.
بين الواقعية الأميركية والتصلب الإسرائيلي
لعقود، قدّمت واشنطن لإسرائيل تأميناً استراتيجياً غير مشروط، لكن التطورات الأخيرة بدأت تفرض توازناً جديداً بين التحالف والاختلاف. فنتنياهو الذي يقود حكومة يمينية متطرفة لا يرى في التسوية أو الدبلوماسية إلا ضعفاً، بينما يسعى ترامب لإغلاق ملفات الحروب المفتوحة ليقدّم نفسه بوصفه صانع سلام الشرق الأوسط الجديد.
ومع ذلك، تبقى إسرائيل رغم كل شيء الرصيد الاستراتيجي الثابت للولايات المتحدة، ومن غير المرجح أن تتحول قريباً إلى عبء استراتيجي. ورغم تآكل “الوكالة الحصرية” التي كانت تتمتع بها تل أبيب في عهد الإدارات السابقة، ستظل الشريك الأكثر ثباتاً في الرؤية الأميركية للمنطقة.
قمة مفصلية وقرارات معلّقة
المتوقع أن تخرج قمة ترامب – نتنياهو بقرارات تؤثر في ثلاثة ملفات رئيسية:
-
مستقبل غزة وآلية الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق أكتوبر، بما يشمل ترتيبات إعادة الإعمار ونزع سلاح الفصائل.
-
سيناريو لبنان وإمكانية تدوير الحرب ضد حزب الله عند مستوى “الضغط الآمن”.
-
إيران، والفصل بين المسار النووي والبرنامج الصاروخي، وتحديد طبيعة الردع المطلوب لإبقاء التوازن الإقليمي تحت السيطرة.
ورغم التباينات الواضحة بين رغبة نتنياهو في استمرار النهج العسكري المتشدد وميل ترامب إلى تسويات واقعية سريعة، فإن ما يجمع الرجلين – كما يرى مراقبون – أكثر بكثير مما يفرقهما. فكلاهما ينطلق من تصور واحد لمركزية إسرائيل في منطقة تتغير بسرعة، وضرورة حفظ نفوذ واشنطن فيها، لكن بطرق مختلفة: ترامب بالصفقات والدبلوماسية، ونتنياهو بالقوة والتمسّك بالميدان.
الأيام القادمة، كما يعلّق الخبراء، ستكون الاختبار الحقيقي لشكل العلاقة الجديدة بين واشنطن وتل أبيب، ولما إذا كانت المنطقة مقبلة على تهدئة جزئية تقودها واشنطن أم على تصعيد جديد تحت راية نتنياهو.
ابقَ على اطلاع دائم بكل جديد في العالم مع المنبر، منصتكم للأخبار الموثوقة.
Share this content:




