زيارة تركية رفيعة إلى دمشق لبحث قسد والأمن الإقليمي

زيارة تركية رفيعة إلى دمشق لبحث قسد والأمن الإقليمي

زيارة تركية رفيعة إلى دمشق لبحث قسد والأمن الإقليمي

هاكان فيدان ويشار غولر يلتقيان الرئيس السوري لبحث الاتفاق مع قسد ومخاطر داعش وارتدادات العدوان الإسرائيلي جنوب البلاد

تدخل العلاقات التركية السورية مرحلة جديدة من الحراك السياسي، مع إعلان أنقرة عن زيارة مشتركة لوزيرَي الخارجية والدفاع التركيين إلى دمشق يوم الاثنين، في خطوة توصف بأنها الأرفع منذ التغيّر الجذري في المشهد السوري عقب إطاحة حكم بشار الأسد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024. الزيارة، التي تشمل لقاءً مباشراً مع الرئيس السوري أحمد الشرع، تأتي في سياق إقليمي معقّد يتداخل فيه ملف قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مع أولويات الأمن القومي التركي، وتداعيات العدوان الإسرائيلي على جنوب سوريا، وملف مكافحة تنظيم داعش.

تقييم شامل للعلاقات بعد مرحلة ما بعد الأسد

وزارة الخارجية التركية أوضحت في بيانها أن الوزير هاكان فيدان ووزير الدفاع يشار غولر سيجريان خلال وجودهما في دمشق «تقييماً عاماً» لمسار العلاقات بين البلدين منذ التغيير السياسي في سوريا. هذا التقييم يأتي بعد سنوات من القطيعة والتوتر، ثم محاولات متدرجة لإعادة فتح قنوات التواصل الأمني والسياسي بين أنقرة ودمشق في ضوء المتغيرات الميدانية على الأرض.
ويُنتظر أن تتناول المباحثات ملفات عالقة تتصل بترتيبات الحدود الشمالية، ووجود الفصائل المختلفة، ومستقبل الانتشار العسكري التركي في بعض المناطق السورية، إلى جانب مقاربة البلدين لمشروع إعادة الإعمار وعودة اللاجئين، وإن كان البيان التركي ركز بصورة خاصة على ملف قسد والاتفاق الموقّع بينها وبين السلطات السورية.

Web_Photo_Editor-13-7 زيارة تركية رفيعة إلى دمشق لبحث قسد والأمن الإقليمي

اتفاق 10 مارس مع قسد… محور النقاش الأمني

واحدة من أبرز القضايا المطروحة على جدول الأعمال هي «التقدّم في تنفيذ اتفاق 10 مارس/آذار» بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية في شمال شرقي سوريا، وهو اتفاق تعتبره تركيا أنه «يمسّ عن قرب أولويات الأمن القومي» لديها. هذا الاتفاق، الذي ينظّم علاقة قسد بالحكومة المركزية في دمشق، خصوصاً على صعيد الارتباط العسكري والإداري، يُنظَر إليه في أنقرة على أنه نقطة مفصلية: فإما أن يفتح الباب أمام تفكيك البنية العسكرية شبه المستقلة لقسد ودمجها في الجيش السوري، أو أن يكرّس واقعاً انفصالياً de facto في المناطق الحدودية مع تركيا.
أنقرة تخشى من أن يتحول أي تأخير أو تلكؤ في تنفيذ بنود الاندماج إلى مساحة فراغ تستغلها قسد لترسيخ كيانات مسلّحة مستقلة، أو إعادة تموضع لقوى تعتبرها تركيا امتداداً لحزب العمال الكردستاني، المصنف لديها كمنظمة إرهابية. ومن هنا، تسعى الزيارة إلى الحصول على ضمانات واضحة من دمشق حول الجدول الزمني للتنفيذ، وحدود انتشار هذه القوات، ومستقبل سلاحها الثقيل.

تحذير تركي صريح لقسد من التسويف

هاكان فيدان كان قد وجّه قبل أيام رسالة شديدة الوضوح لقوات سوريا الديمقراطية، محذّراً إياها من أي إرجاء جديد لعملية الاندماج في الجيش السوري، ومعتبراً أن التأجيل المستمر «يهدّد الوحدة الوطنية» في سوريا. وأشار إلى أن شركاء الاتفاق «بدأ ينفد صبرهم»، في إشارة إلى أن أنقرة لن تقبل ببقاء الوضع الراهن إلى ما لا نهاية.
هذا الخطاب يعكس رؤية تركية ترى أن استقرار شمال وشمال شرقي سوريا يمر عبر إعادة هيكلة المشهد العسكري تحت مظلة الجيش السوري النظامي، لا عبر استمرار وجود قوات أمر واقع ذات مرجعية سياسية وعسكرية مستقلة. كما يحمل في طياته تلميحاً إلى أن البديل عن التنفيذ الجاد للاتفاق قد يكون عودة التصعيد العسكري التركي في بعض الجبهات الحدودية، تحت عنوان «الدفاع عن الأمن القومي».

الجنوب السوري والعدوان الإسرائيلي في صلب المباحثات

الملف الآخر الذي تعتزم أنقرة طرحه على طاولة المحادثات هو «المخاطر الأمنية الناشئة في جنوب سوريا بسبب العدوان الإسرائيلي»، وفق ما جاء في البيان التركي. فالغارات والعمليات الإسرائيلية المتكررة على مواقع مختلفة في الجنوب السوري تثير قلق أنقرة من احتمال توسّع رقعة عدم الاستقرار، بما ينعكس على مجمل التوازنات في الساحة السورية، ويهدد بفتح جبهات جديدة أو خلق فراغات أمنية يستغلها تنظيم داعش أو مجموعات أخرى.
تركيا مهتمّة أيضاً، من زاوية أمنية، بأي تغيّر في خرائط النفوذ جنوباً، سواء لجهة حضور المليشيات الموالية لإيران، أو تحرّكات تنظيمات متطرفة قد تستفيد من حالة الفوضى. لذلك، تشكل هذه الملفات جزءاً من «الصورة الكاملة» التي تسعى أنقرة ودمشق لمقاربتها، ولو من منطلقات ورؤى مختلفة أحياناً.

انضمام سوريا للتحالف الدولي ضد داعش… معادلة جديدة

تُدرج أنقرة ضمن أجندة المباحثات كذلك «انضمام سوريا مؤخراً إلى التحالف الدولي» ضد تنظيم داعش، وهي خطوة أعادت رسم جزء من المعادلات في ملف مكافحة التنظيم على الأراضي السورية. هذا الانضمام يعني، نظرياً على الأقل، أن دمشق باتت شريكاً رسمياً ضمن إطار دولي تقوده الولايات المتحدة وعدد من الدول، بعد أن كانت العلاقة محصورة بتنسيقات موضعية غير معلنة.
أنقرة، التي كانت من أبرز الأطراف المنخرطة في الحرب على داعش ضمن هذا التحالف، ترى أن إشراك دمشق رسمياً يفتح الباب أمام مقاربة مغايرة للتنسيق الأمني، خصوصاً أن جزءاً من بنية التحالف على الأرض مرّ لسنوات عبر قوات سوريا الديمقراطية نفسها. وهنا، يظهر التداخل بين ملفات قسد، والتحالف، ودور الجيش السوري، والمصالح التركية في محاربة التنظيم دون منح خصومها الإقليميين مكاسب ميدانية إضافية.

تعاون تركي–سوري لمنع عودة داعش

وزارة الخارجية التركية شددت في بيانها على أن التعاون بين دمشق وأنقرة «يهدف إلى منع عودة ظهور داعش الذي يسعى لاستغلال هشاشة محتملة على الساحة السورية». هذا التصريح يعطي الانطباع بأن البلدين، رغم التناقضات الحادة التي طبعت علاقتهما خلال العقد الماضي، باتا يلتقيان على أولوية مشتركة تتمثل في منع التنظيم من إعادة تنظيم صفوفه واستغلال أي فراغ أمني في الشمال أو الشرق أو الجنوب.
فتركيا عانت في السابق من هجمات تبناها أو ارتبطت بتنظيم داعش داخل أراضيها، كما تخشى من تحوّل أي اضطراب في سوريا إلى مصدر تهديد عبر الحدود، سواء عبر موجات لجوء جديدة أو تحركات لشبكات تهريب وسلاح وعناصر متطرفة. في المقابل، تحاول دمشق إثبات أنها قادرة على لعب دور «الضامن الأمني» على كامل الجغرافيا السورية، بما يعزز من حججها أمام المجتمع الدولي بضرورة الاعتراف بدورها المركزي في أي ترتيبات مستقبلية.

Web_Photo_Editor-14-6 زيارة تركية رفيعة إلى دمشق لبحث قسد والأمن الإقليمي

زيارة تحمل رسائل داخلية وإقليمية

تحمل زيارة وزيرَي الخارجية والدفاع التركيين إلى سوريا أكثر من بعد سياسي ورسالة، داخلياً وخارجياً. فعلى المستوى الداخلي التركي، تعطي الزيارة انطباعاً بأن أنقرة نجحت في فتح قنوات مباشرة مع السلطة الجديدة في دمشق بعد مرحلة الأسد، وأنها تتحرك وفق مقاربة واقعية تراعي أولويات الأمن القومي وتحديات الحدود واللاجئين وملف الإرهاب.
إقليمياً، ترسل الزيارة إشارة إلى أن تركيا مستعدة للانخراط في ترتيبات أوسع مع دمشق في ملفات مثل قسد وداعش وترتيبات الجنوب، شرط أن تُؤخذ هواجسها الأمنية بجدية، وأن يُصار إلى هيكلة حضور القوى غير الحكومية في الشمال بما ينسجم مع رؤيتها. كما تعكس إدراكاً مشتركاً في أن استمرار الفراغ أو الغموض في ملفات مثل الاتفاق مع قسد أو إدارة الحدود لن يخدم أحداً على المدى الطويل.

آفاق ما بعد الزيارة: تطبيع تدريجي أم إدارة أزمة؟

يبقى السؤال المطروح بعد هذه الزيارة: هل تمهّد هذه الخطوة لتطبيع أوسع في العلاقات التركية السورية، أم أنها تندرج في إطار «إدارة الأزمة» وتنسيق الضرورة الأمنية فقط؟
من جهة، تؤشر طبيعة الوفد (خارجية ودفاع) وملفاته (قسد، داعش، العدوان الإسرائيلي، التحالف الدولي) إلى أن نقطة الانطلاق أمنية–استراتيجية بالدرجة الأولى، لا سياسية–دبلوماسية تقليدية. ومن جهة أخرى، فإن فتح ملفات بهذا الحجم يتطلب بالضرورة آليات عمل مستمرة، واجتماعات لاحقة، وربما تفاهمات متدرجة قد تترجم في ترتيبات ميدانية جديدة على الأرض.
ما هو واضح أن دمشق وأنقرة، كلّ من موقعه وبدوافعه، باتتا مقتنعتين بأن المرحلة المقبلة في سوريا لا يمكن إدارتها عبر القطيعة أو الخطاب الإعلامي فقط، بل من خلال مفاوضات مباشرة تتناول الملفات الحساسة من قسد إلى داعش مروراً بملف الحدود والجنوب والتحالف الدولي. وفي هذا السياق، تبدو زيارة الوزيرين التركيين إلى سوريا خطوة أولى في مسار أطول، سيحدّد نجاحه أو تعثّره مستقبل ملامح الأمن الإقليمي في الشمال السوري وما حوله.

ابقَ على اطلاع دائم بكل جديد في العالم مع المنبر، منصتكم للأخبار الموثوقة.

موقع المنبر

Share this content: