دمشق تمهل “قسد” 4 أيام لحسم دمج الحسكة في الدولة

دمشق تمهل “قسد” 4 أيام لحسم دمج الحسكة في الدولة

دمشق تمهل “قسد” 4 أيام لحسم دمج الحسكة في الدولة

اتفاق بوساطة أميركية يمهد لعودة مؤسسات الدولة إلى شمال شرقي سوريا وتعيين قيادات كردية في مناصب رسمية

في تحوّل سياسي وأمني وصف بالأهم منذ سنوات النزاع، أعلنت الحكومة السورية منح قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مهلة زمنية مدتها أربعة أيام لوضع خطة متكاملة لدمج محافظة الحسكة في مؤسسات الدولة، وذلك ضمن إطار اتفاق وقف إطلاق النار الذي وُقّع مساء الثلاثاء في دمشق برعاية أميركية وترحيب من الأمم المتحدة.

ويأتي الاتفاق، وهو الثالث من نوعه بين الطرفين منذ عام 2024، بعد تقدم الجيش السوري في مناطق واسعة من شمال وشمال شرقي البلاد كانت تخضع لسيطرة “قسد”، ويُنظر إليه كخطوة جديدة نحو إعادة توحيد الأراضي السورية وإنهاء حالة الانقسام الجغرافي والإداري المستمرة منذ أكثر من عقد.


مهلة لحسم خطة الدمج وتطبيق الاتفاق

وقالت الرئاسة السورية في بيان رسمي صدر مساء أمس إن “الدمج السلمي لمحافظة الحسكة بمختلف مدنها وبلداتها، بما فيها القامشلي، سيجري وفق جدول زمني يتم التفاهم عليه لاحقاً”، مؤكدة أن الجيش السوري لن يدخل مراكز المدن الرئيسة ما دامت الاتصالات مع قيادة “قسد” تجري ضمن أجواء من التعاون.

وأوضح البيان أن الاتفاق يتيح لقائد “قسد” مظلوم عبدي تقديم ترشيحات لعدد من المناصب العليا، من بينها مساعد وزير الدفاع ومحافظ الحسكة، إلى جانب مقترحات لشخصيات كردية للانضمام إلى مجلس الشعب السوري، وأسماء أخرى لتعيينها في مؤسسات الدولة الخدمية والمحلية.

وينص الاتفاق على دمج القوات العسكرية لقسد تدريجياً في وزارتي الدفاع والداخلية، مع السماح بانتشار وحدات أمن محلية في القرى الكردية مكوّنة من أبناء المنطقة فقط، على أن تُستكمل مشاورات الدمج خلال الأسابيع المقبلة.

وتعهد الطرفان، بحسب البيان، بتوحيد الإدارة المدنية وإعادة تشغيل المعابر والطرق الحيوية لإعادة ربط المدن الشمالية بشبكة الدولة والخدمات المركزية، إلى جانب إعادة بناء الثقة بين الجيش والأهالي عن طريق مبادرات المصالحة المجتمعية.

Web_Photo_Editor-11-6 دمشق تمهل “قسد” 4 أيام لحسم دمج الحسكة في الدولة

قسد تعلن التزامها الكامل بالاتفاق

من جانبها، أكدت قيادة قوات سوريا الديمقراطية التزامها التام ببنود الاتفاق الجديد مع الحكومة السورية، وقالت في بيان مقتضب إنها “ترى في الاتفاق فرصة لبناء مستقبل موحد يضمن حقوق جميع المكوّنات ويحفظ الأمن والاستقرار في شمال شرقي البلاد”.

واعتبرت قيادة “قسد” أن وقف إطلاق النار بوساطة أميركية هو “تتويج لجهود المصالحة الوطنية”، مضيفة أنها تتطلع إلى شراكة حقيقية مع مؤسسات الدولة في إدارة المحافظة على أساس العدالة والمواطنة المتساوية.


الدعم الأميركي: “أعظم فرصة للأكراد”

رحّب المبعوث الأميركي إلى دمشق توم براك بالاتفاق، واصفاً إياه بأنه “أعظم فرصة للأكراد للانخراط في العملية السياسية الموحدة”. وقال براك في منشور على منصة “إكس” إن الصفقة تمنح المكوّن الكردي “ضمانات المواطنة الكاملة والحماية الثقافية والمشاركة السياسية”، معتبراً أن الوقت قد حان لتجاوز مرحلة الصراع والانقسام.

وأضاف المبعوث الأميركي:

“الولايات المتحدة أنهت عملياً دورها العسكري في سوريا ولا تسعى إلى بقاء طويل الأمد، لكنها ستواصل دعم هزيمة فلول تنظيم الدولة وتعزيز الوحدة الوطنية.”

وأوضح أن واشنطن لم تعد تؤيد أي نزعة انفصالية أو فدرالية في شمال سوريا، مؤكداً أن حكومة الشرع قادرة الآن على تحمل المسؤولية الكاملة عن الأمن الداخلي وإدارة مراكز احتجاز مقاتلي تنظيم الدولة في المنطقة.


ترامب: الشرع يثبت جدارته في بسط الاستقرار

وفي مؤتمر صحفي عقده في البيت الأبيض، أشاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع، قائلاً إنه أجرى معه اتصالاً هاتفياً بحثا خلاله ملف المنشآت التي تحتجز فيها عناصر تنظيم الدولة في شمال شرقي البلاد.

وقال ترامب:

“الرئيس الشرع يعمل بجدّ لإعادة الاستقرار إلى سوريا، ونحن ننسّق معه لضمان الأمن الإقليمي وحماية السكان الأكراد الذين قاتلوا إلى جانب التحالف ضد الإرهاب.”

وأكد ترامب أن بلاده “تحاول تحقيق توازن بين دعم التسوية السياسية واحترام سيادة سوريا”، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب حلولاً سورية داخلية بدلاً من النفوذ الخارجي.


تحولات في علاقة واشنطن بقسد

شهدت العلاقة بين الولايات المتحدة و”قسد” في الأشهر الأخيرة تحولاً ملحوظاً منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض وإعلانه اعترافه الكامل بحكومة الشرع في دمشق. فبعد سنوات من الدعم العسكري لقوات سوريا الديمقراطية ضد تنظيم الدولة، باتت واشنطن تفضّل تسوية شاملة في سوريا تُبقي الكرد جزءاً من النسيج الوطني بدلاً من كيان مستقل.

وبحسب مصادر دبلوماسية، فإن انسحاب أغلب القوات الأميركية من مواقعها في الحسكة والرقة أسهم في تغيير موازين القوة لصالح دمشق، ما دفع الطرفين إلى المفاوضات من جديد تحت ضغط متزايد من واشنطن نفسها لحل الملف الكردي سلمياً.


البنود الرئيسية في الاتفاق الجديد

تتضمن الوثيقة التي وُقعت في دمشق عدداً من البنود التفصيلية التي تهدف إلى تحقيق دمج مؤسسي ومدني شامل لمحافظة الحسكة، من أبرزها:

  1. وقف دائم لإطلاق النار بين الجيش السوري وقوات قسد.

  2. إعادة نشر قوات الجيش على أطراف المدن دون الدخول إلى مراكزها.

  3. تسليم المعابر والمقار الرسمية للحكومة المركزية تدريجياً.

  4. تشكيل لجان مشتركة لمتابعة ملفات الخدمات والبنية التحتية.

  5. توحيد المناهج التعليمية والإدارية بموجب الدستور السوري الجديد قيد المناقشة.

  6. تهيئة الأجواء لإجراء انتخابات محلية في الحسكة والقامشلي خلال عام.

كما ينص الاتفاق على حماية التنوع الثقافي واللغوي للمجتمع الكردي والعربي والآشوري، والتشديد على أن جميع المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات.


خلفية الصراع ومساعي التهدئة

تُعد محافظة الحسكة من أكثر المناطق السورية تنوعاً وتعقيداً سياسياً، إذ تضم مزيجاً سكانياً من العرب والأكراد والآشوريين. ومنذ عام 2014 سيطرت “قسد” على أجزاء واسعة من المحافظة بدعم التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، قبل أن تبدأ دمشق منذ 2025 حملة عسكرية ودبلوماسية لإعادة بسط سلطتها عليها.

وفي مارس/آذار 2025، وقع الطرفان اتفاقاً أولياً نص على إعادة فتح المعابر والمطارات وحقول النفط ودمج المؤسسات المدنية والعسكرية، لكنه لم يُنفّذ بعد تراجع “قسد” عن التزاماتها حينها.

اليوم، ومع استعادة الحكومة المركزية السيطرة على معظم مناطق شمال وشمال شرقي سوريا، يبدو أن دمشق و”قسد” أمام فرصة جديدة لإنهاء مرحلة الانقسام, بدعم دولي غير مسبوق منذ أكثر من اثني عشر عاماً من الحرب.

Web_Photo_Editor-13-6 دمشق تمهل “قسد” 4 أيام لحسم دمج الحسكة في الدولة

مراقبون: دمشق في طريقها نحو توحيد البلاد

يرى مراقبون أن الاتفاق يمثل خطوة أساسية نحو استعادة وحدة الأراضي السورية وتحقيق اندماج سياسي بين الدولة المركزية والمكوّن الكردي بعد عقود من التوتر، خاصة في ظل الدعم الأميركي والأممي العلني لهذه التسوية.

وقال الباحث في الشؤون الإقليمية سامر إبراهيم إن “سياسات الرئيس أحمد الشرع تُظهر رغبة حقيقية في بناء عقد وطني جديد يشمل جميع المكوّنات”، مشيراً إلى أن منح مناصب رفيعة لشخصيات كردية “يعكس نية دمشق في تجاوز الإرث الثقيل من الإقصاء والانقسام”.

وأضاف أن المهلة التي حددتها الحكومة لأربعة أيام “تمثل اختباراً جدياً لمدى التزام قيادة قسد بالاتفاق الجديد”، متوقعاً أن يتم توقيع بروتوكول تنفيذي خلال الأسبوع المقبل في دمشق.


نحو خريطة سورية موحدة

بهذا التطور، تدخل سوريا مرحلة مفصلية من عملية إعادة ترميم الجغرافيا السياسية للدولة، إذ تسعى حكومة الشرع إلى استيعاب القوى المحلية عبر تسويات شاملة، في وقت تتركز فيه أولويات الأميركيين على القضاء على بقايا تنظيم الدولة وضمان استقرار الإقليم.

وبينما تترقب واشنطن ودمشق نتائج الأيام الأربعة المقبلة، يرى محللون أن اتفاق الحسكة قد يشكّل بداية لمرحلة جديدة من الوحدة الوطنية، تضع حداً لسنوات الانقسام المسلح وتفتح الطريق أمام عودة الدولة السورية موحدة من أقصى الجنوب حتى شمالها الشرقي.

فإن نجحت خطة الدمج المرتقبة، فستكون الحسكة التي طالما كانت قلب الشمال السوري أول نموذج حيّ لتعايش سوري يعيد تعريف مفهوم الدولة بعد الحرب ويثبت أن طريق المصالحة، مهما طال، يبدأ بخطوة.

 

ابقَ على اطلاع دائم بكل جديد في العالم مع المنبر، منصتكم للأخبار الموثوقة.

موقع المنبر

Share this content: