خطاب ترامب في دافوس بين الحقائق والمغالطات

خطاب ترامب في دافوس بين الحقائق والمغالطات

خطاب ترامب في دافوس بين الحقائق والمغالطات

مجلة “تايم” الأميركية تراجع تصريحات الرئيس الأميركي حول غرينلاند، الناتو، الطاقة، وانتخابات 2020

في ظهور جديد مثير للجدل على المسرح العالمي، ألقى الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطاباً مطولاً في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا، تناول خلاله ملفات عدة تمتد من الاقتصاد والطاقة إلى السياسة العالمية، مروراً بانتخابات الرئاسة الأميركية 2020 التي لا يزال يعتبرها “مزورة”.

وقد حظي الخطاب بمتابعة واسعة وتحليل دقيق من جانب مجلة “تايم” الأميركية التي قامت بتفكيك أبرز ما جاء فيه من تصريحات ومقارنتها بالحقائق الموثقة، لتخلص إلى أن كثيراً مما قاله ترامب يبتعد عن الدقة ويتضمن مزاعم غير صحيحة أو مبالغات متكررة سبق للرئيس الأميركي أن أطلقها في مناسبات سابقة.

Web_Photo_Editor-13-8 خطاب ترامب في دافوس بين الحقائق والمغالطات

غرينلاند مجدداً: “قطعة الجليد المغرية”

بدأ ترامب حديثه من النقطة التي أثارت الجدل مراراً في السنوات الأخيرة: جزيرة غرينلاند التابعة لمملكة الدنمارك. فقد أعاد الرئيس الجمهوري التأكيد على رغبته القديمة في “الاستحواذ” على الجزيرة الغنية بالموارد، مدعياً أن الولايات المتحدة كانت تمتلك غرينلاند بعد الحرب العالمية الثانية لكنها أعادتها إلى الدنمارك.

وقال ترامب أمام الحضور في دافوس:

“بعد الحرب التي انتصرنا فيها، أعدنا غرينلاند إلى الدنمارك. كم كنا أغبياء بفعل ذلك؟ الآن نريد قطعة من الجليد لنحمي العالم، وهم يرفضون.”

لكن مراجعة “تايم” لهذه الرواية أوضحت أن الولايات المتحدة لم تكن في أي وقت تتملك غرينلاند. ففي عام 1941، أي خلال الحرب العالمية الثانية، عقدت واشنطن وكوبنهاغن اتفاقاً يسمح للولايات المتحدة بإقامة قواعد عسكرية في الجزيرة لحمايتها من خطر الغزو الألماني، مع إبقاء السيادة الكاملة للدانمارك عليها.

وبعد الحرب، احتفظ الأميركيون بقاعدة “ثول” الجوية الاستراتيجية، لكنها ظلت تحت إدارة الدولة الدنماركية. وتؤكد المجلة أن حديث ترامب عن “إعادة” الجزيرة غير صحيح تاريخياً، بل هو تحوير لرواية اتفاق دفاعي مؤقت تم قبل نحو 85 عاماً.


المساهمة في ميزانية الناتو.. أرقام مضخمة

تطرق ترامب لاحقاً إلى علاقات بلاده مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مكرراً مزاعم قالها مراراً منذ دخوله البيت الأبيض. وقال:

“نحن نمول حلف الناتو بالكامل تقريباً. لقد دفعنا مائة في المائة من ميزانيته لسنوات طويلة حتى توليتُ منصبي.”

غير أن مجلة “تايم” وصفت هذا التصريح بأنه ادعاء غير دقيق. وتوضح أرقام الحلف أن الولايات المتحدة ساهمت خلال عام 2025 بنحو 16% من ميزانية الناتو الإجمالية، بينما تساهم كل دولة عضو بنسبة مختلفة بناءً على حجم اقتصادها.

وفي المقابل، تشير إحصاءات الناتو إلى أن 31 دولة من أصل 32 عضوًا في الحلف تخصص ما لا يقل عن 2% من ناتجها المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي، وهو الحد الأدنى المطلوب، ما يعني أن الالتزامات المالية موزعة بنسب متفاوتة، وليست عبئاً حصرياً على الولايات المتحدة كما يروج ترامب.

وترى المجلة أن الرئيس الأميركي “يوظف قضية تمويل الناتو سياسياً لإبراز صورة الزعيم القوي الذي يُحمّل الآخرين مسؤولية ما يراه ظلماً مالياً ضد بلاده”، رغم أن هذه المزاعم تتناقض مع بيانات الحلف الموثقة.

Web_Photo_Editor-14-7 خطاب ترامب في دافوس بين الحقائق والمغالطات

مزاعم حول مزارع الرياح في الصين

وفي سياق آخر، انتقد ترامب بشدة مزارع طاقة الرياح، مدعياً أن الصين “تصنع كل توربينات الرياح تقريباً لكنها لا تستخدمها داخل أراضيها”. وقال إن “بيجين تصدّر التوربينات بأسعار مرتفعة للعالم بينما لا توجد مزارع للرياح في الصين نفسها”.

لكن مجلة “تايم”، استناداً إلى تقرير المجلس العالمي لطاقة الرياح لعام 2024، بيّنت أن هذه المعلومة خاطئة تماماً. فقد جاءت الصين في المرتبة الأولى عالمياً بإنتاج توربينات الرياح وتركيبها، إذ تمثل نحو 70% من إجمالي التوربينات المنتجة على مستوى العالم.

كما بلغت القدرة الكهربائية التراكمية لطاقة الرياح في الصين 520 غيغاوات حتى نهاية عام 2024، وهو ما يعادل نصف القدرة الإجمالية المركبة في العالم. وتشير هذه الأرقام إلى أن الصين لا تكتفي بتصنيع التوربينات بل تمتلك واحداً من أكبر أسواق الطاقة المتجددة في العالم.


الطاقة الأوروبية.. بين الحقائق والأرقام

في محاولة لتسليط الضوء على ما يصفه بـ”فشل أوروبا في إدارة الطاقة”، قدّم ترامب مقارنات حول إنتاج الكهرباء في ألمانيا وبريطانيا. وقال إن ألمانيا “تنتج الآن كهرباء أقل بنسبة 22% مما كانت تنتجه عام 2017″، مضيفاً أن أسعار الكهرباء فيها “ارتفعت بنسبة 64%”، بينما تنتج بريطانيا “ثلثي ما كانت تنتجه في عام 1999”.

غير أن مراجعة “تايم” كشفت أن بيانات ترامب تتجاوز الواقع وتفتقر إلى الدقة. فوفقًا لتقارير معهد فراونهوفر الألماني للطاقة المتجددة، بلغ إنتاج ألمانيا من الكهرباء في عام 2025 حوالي 400 تيراوات/ساعة، أي انخفاض بنسبة 25% عن عام 2017 وليس 22%. كما ارتفعت أسعار الكهرباء بنحو 35% فقط، وفق الإحصاءات الرسمية الاتحادية، لا 64% كما ذكر ترامب.

أما في بريطانيا، فتشير البيانات الرسمية إلى أن إنتاجها من الكهرباء في عام 2024 بلغ 285 تيراوات/ساعة، أي بانخفاض يقارب 25% عن عام 2000، وليس الثلثين كما ذكر الرئيس الأميركي.

وترى المجلة أن ترامب استخدم الأرقام بشكل مبالغ فيه لتدعيم سردية أزمة الطاقة في أوروبا، في وقت حققت فيه القارة تقدماً ملحوظاً في التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة رغم التحديات المرتبطة بأمن الإمدادات.

Web_Photo_Editor-15-3 خطاب ترامب في دافوس بين الحقائق والمغالطات

انتخابات 2020.. نظرية المؤامرة التي لا تموت

وفي ختام خطابه، عاد ترامب إلى واحدة من أكثر الملفات جدلاً في السياسة الأميركية الحديثة، حين كرر مزاعمه بشأن تزوير انتخابات الرئاسة عام 2020 التي خسرها أمام منافسه الديمقراطي جو بايدن. وقال ترامب بثقة:

“كانت انتخابات مزوّرة. الجميع يعلم ذلك الآن، لقد اكتشفوا الحقيقة.”

لكن “تايم” ذكّرت بأن جميع الهيئات القضائية والرقابية الأميركية، بما في ذلك وزارة العدل الأميركية، لم تجد أي دليل على تزوير واسع النطاق. وأشارت إلى أن العديد من حكام الولايات الجمهورية والمدعين العامين الجمهوريين أجروا تحقيقات مستقلة في النتائج دون العثور على مخالفات مؤثرة، مؤكدين أن الانتخابات كانت “حرة ونزيهة”.

وقالت المجلة إن إعادة تكرار هذه الاتهامات يعكس إصرار ترامب على استخدام نظرية التآمر الانتخابية كركيزة لقاعدته السياسية، رغم الإجماع المؤسسي على سلامة العملية الديمقراطية.


قراءة في خطاب دافوس: السياسة داخلة الاقتصاد

يرى مراقبون أن خطاب ترامب في دافوس لم يكن مجرد مداخلة اقتصادية كما يقتضي الحدث، بل كان أشبه بمنصة انتخابية عالمية. فقد مزج فيه بين الدفاع عن سياساته السابقة وترويج أفكاره التوسعية ومهاجمة خصومه في أوروبا والصين على السواء.

لكن تحليلات “تايم” تكشف بوضوح أن العديد من تصريحات ترامب تفتقر إلى الدقة التاريخية والإحصائية، وأنها تندرج في إطار “الاستعراض الخطابي” الذي يعتمده لتأكيد تفوق بلاده وإعادة إنتاج مقولة “أميركا أولاً” التي طبع بها خطابه السياسي منذ دخوله المعترك العام.

وفي الوقت الذي يسعى فيه ترامب إلى العودة مجدداً إلى البيت الأبيض، يبدو أن خطابه في دافوس يجسّد استمرار أسلوبه المثير للجدل في خلط الحقائق بالنزعة الخطابية، ليبقى الانقسام حوله قائماً بين من يراه “قائداً صريحاً لا يخشى قول ما يفكر به”، ومن يعتبره “رجل السياسة الذي يعيد كتابة الحقيقة على هواه”.

وبين هذين الرأيين، تبقى حقيقة واحدة: أن دونالد ترامب لا يزال يملك القدرة على خطف الأضواء وإعادة تشكيل النقاش العالمي كلما صعد إلى منصة الكلام، حتى ولو جاءت الحقائق لتفنّد ما يقول.

 

ابقَ على اطلاع دائم بكل جديد في العالم مع المنبر، منصتكم للأخبار الموثوقة.

موقع المنبر

Share this content: