تفاصيل الخطة الأوكرانية الأميركية الجديدة لوقف الحرب مع روسيا
خطة مؤلفة من 20 بنداً تشمل ضمانات أمنية وانسحابات روسية وصندوق إعمار بأكثر من 200 مليار دولار
في تطوّر سياسي ودبلوماسي هو الأبرز منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن تفاصيل الخطة المشتركة التي صاغتها بلاده بالتعاون مع الولايات المتحدة، وتهدف إلى إنهاء النزاع المسلح المستمر منذ أكثر من ثلاث سنوات. وأوضح زيلينسكي أن نص الخطة، المكوّن من 20 بنداً، رُفع رسمياً إلى موسكو بانتظار الرد الروسي، مؤكداً أن المقترح سيتبعه اتفاقات ثنائية منفصلة بين كييف وواشنطن بشأن الضمانات الأمنية وخطط إعادة الإعمار.
الخطة – التي تبدو نتاجاً لتفاهمات طويلة خلف الكواليس بين واشنطن وكييف وعدد من العواصم الأوروبية – تجمع بين المسارات الأمنية والسياسية والاقتصادية والإنسانية، وتهدف، حسب زيلينسكي، إلى “وقف نهائي ومستدام لإطلاق النار يضمن سيادة أوكرانيا ويحافظ على الاستقرار الأوروبي”.
سيادة أوكرانيا واتفاق عدم اعتداء شامل
تبدأ الوثيقة بتأكيد واضح على مبدأ سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها، وتنص على أن جميع الأطراف الموقّعة يقرّون بهذا المبدأ رسمياً بتواقيعهم. كما تعلن الخطة اتفاقاً كاملاً وغير مشروط لعدم الاعتداء بين أوكرانيا وروسيا، ما يشمل التوقف التام عن استخدام القوة العسكرية أو التهديد بها من أي طرف.
ولتجنب تكرار انتهاكات وقف النار السابقة، تنص الخطة على إنشاء آلية مراقبة فضائية غير مأهولة تعمل على مدار الساعة لرصد خط التماس بين القوات، وتقديم تقارير مبكرة عن أي خروقات محتملة. وستتولى فرق فنية متخصصة من الجانبين، بمشاركة مراقبين دوليين، وضع التفاصيل التقنية لهذه الآلية.
ضمانات أمنية أميركية وأوروبية لأوكرانيا
أحد أعمدة الخطة الأساسية يتمثل في توفير ضمانات أمنية قوية لأوكرانيا تشبه المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي “الناتو”، بحيث تُلزم الدول الموقعة – وعلى رأسها الولايات المتحدة وأعضاء الناتو الرئيسيون – بالرد الجماعي على أي هجوم روسي جديد.
وتتضمن الضمانات البنود التالية:
-
في حال أقدمت روسيا على اجتياح جديد للأراضي الأوكرانية، يُفعَّل رد عسكري منسّق، وتُعاد فوراً جميع العقوبات الاقتصادية الدولية ضد موسكو.
-
إذا خرقت أوكرانيا الاتفاق بمبادرة هجومية ضد الأراضي الروسية من دون استفزاز، تُلغى الضمانات الأمنية تلقائياً.
-
تبقى إمكانية توقيع ضمانات أمنية ثنائية إضافية بين كييف وكل دولة موقعة مفتوحة.
كما تحدد الخطة حجم القوات المسلحة الأوكرانية في زمن السلم بـ 800 ألف جندي، مع التأكيد على أن أوكرانيا ستبقى دولة غير نووية بموجب معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية.
روسيا تتعهد بسياسة “عدم اعتداء” على أوروبا
تُلزم الخطة موسكو رسمياً بإضفاء الطابع القانوني على سياسة “عدم الاعتداء” تجاه أوروبا وأوكرانيا في جميع تشريعاتها ووثائقها المعتمدة، ما يعني تبنّي نهج سياسي وأمني جديد يضمن عدم استخدام القوة العسكرية ضد الدول المجاورة أو الانخراط في أعمال عدائية داخل القارة.
هذه الصيغة تهدف إلى طمأنة الأوروبيين بأن الاتفاق ليس هدنة مؤقتة، بل خطوة نحو تثبيت سلام طويل الأمد يستند إلى التزامات قانونية متبادلة ومكرَّسة في مؤسسات الدولتين.
انضمام أوكرانيا للاتحاد الأوروبي بخطة زمنية محددة
تعدّ الخطة بانضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي خلال فترة زمنية متفق عليها بوضوح، ومنحها نفاذاً تفضيلياً للأسواق الأوروبية في المدى القريب. ويرى محللون أن هذا البند سيمنح كييف دفعة اقتصادية هائلة، ويكرس ابتعادها الاستراتيجي عن الفلك الروسي، مع إبقائها في الوقت نفسه تحت مظلة أمنية دولية واسعة النطاق.
خطة تنمية ضخمة وصندوق إعمار بقيمة 200 مليار دولار
في الشق الاقتصادي، تتضمن الخطة إنشاء حزمة دعم وتنمية عالمية لأوكرانيا تتولّاها الولايات المتحدة والدول الأوروبية والبنك الدولي، وتشمل:
-
صندوق تنمية أوكرانيا للاستثمار في القطاعات عالية النمو مثل التكنولوجيا، الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات.
-
استثمارات أميركية وأوروبية مشتركة في تحديث قطاع الغاز والبنية التحتية لشبكات الطاقة وخطوط الأنابيب ومرافق التخزين.
-
إعادة إعمار المدن والأحياء المدمّرة عبر برامج دولية متخصصة تتبع أفضل الممارسات في الشفافية.
-
تخصيص صندوق إعمار بقيمة 200 مليار دولار، يُدار بشفافية من خلال “فريق عمل مالي عالمي” يضم خبيراً دولياً بارزاً كمفوّض للشؤون المالية والتنمية.
كما ستُنشأ صناديق إنسانية لمعالجة آثار النزاع، وضمان الدعم للمتضررين، وتوفير برامج إعادة تأهيل اجتماعي ونفسي للضحايا.
ترتيبات ميدانية جديدة وانسحابات روسية من عدة مناطق
على الصعيد الميداني، تعتمد الخطة خطوط انتشار القوات في مناطق دونيتسك ولوغانسك وزاباروجيا وخيرسون، بتاريخ توقيع الاتفاق، كـ خط تماس مؤقت. وستُعتبر هذه الخطوط أساساً لأي وقف دائم لإطلاق النار، مع نشر قوات دولية لمراقبة الالتزام بالاتفاق على امتداد هذه المناطق.
وتلزم الوثيقة روسيا بسحب قواتها من مناطق دنيبروبتروفسك وميكولايف وسومي وخاركيف لتفعيل الاتفاق بشكل نهائي، على أن تبدأ مجموعة عمل مشتركة بمراجعة الإجراءات التقنية للانسحاب وتسلسلها الزمني.
كما تنص البنود على إمكانية إنشاء “مناطق اقتصادية خاصة” على طول خطوط التماس لإعادة تنشيط النشاط التجاري وتسهيل إعادة الإعمار، وذلك بموافقة البرلمان الأوكراني أو عبر استفتاء شعبي.

التزامات قانونية وإنسانية وضمان احترام حقوق الإنسان
تشير الخطة بوضوح إلى التزام الجانبين بجميع القواعد المنصوص عليها في اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية، بما يشمل احترام حقوق الإنسان وحماية المدنيين أثناء النزاع وبعده. كما تتعهد موسكو بعدم عرقلة استخدام أوكرانيا لنهر دنيبرو والبحر الأسود في التجارة، كممرات حيوية للاقتصاد الأوكراني.
وفي الجانب الإنساني، يُنص على إنشاء لجنة إنسانية مشتركة تعالج القضايا العالقة، وتنفّذ تبادل جميع أسرى الحرب والمدنيين المحتجزين وفق مبدأ “الكل مقابل الكل”، مع إعادة الأطفال والسجناء السياسيين وضحايا الاختطاف.
محطة زاباروجيا النووية وملفات التعليم والتسامح
من البنود اللافتة في الخطة، تنظيم إدارة محطة زاباروجيا للطاقة النووية بشكل مشترك بين أوكرانيا وروسيا والولايات المتحدة لضمان تشغيل آمن ومستقر للمفاعل. كما تلتزم الدولتان بإطلاق برامج تعليمية ومجتمعية لتعزيز قيم التسامح والانفتاح الثقافي واستئصال الكراهية والعنصرية، وفق معايير الاتحاد الأوروبي.
اتفاق مُلزِم قانونياً بإشراف مجلس سلام دولي
ختاماً، تنص الوثيقة على أن الاتفاق سيكون ملزماً قانونياً لجميع الأطراف، وتُوكَل آلية الإشراف على تنفيذه إلى مجلس سلام دولي برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وعضوية كل من أوكرانيا وروسيا والولايات المتحدة وأوروبا وحلف الناتو.
وسيمتلك المجلس صلاحية فرض عقوبات فورية على أي طرف يخرق الاتفاق، على أن يُعلن وقف شامل لإطلاق النار فور موافقة جميع الأطراف المعنية على الخطة ودخولها حيز التنفيذ.
بهذه البنود التفصيلية، تبدو الخطة الأوكرانية الأميركية محاولة شاملة لربط الأمن بالاقتصاد، والجغرافيا بالشرعية الدولية. وبينما رحب بها بعض المراقبين بوصفها “أول خريطة طريق جادة للسلام”، يظل نجاحها مرهوناً بموقف الكرملين، الذي لم يُبدِ بعد ردّه الرسمي عليها. لكن المؤكد أن الوثيقة تمثل تحولاً في التفكير الدبلوماسي باتجاه تسوية تستند إلى ضمانات دولية صارمة، واستثمارات اقتصادية ضخمة، وأفق سياسي جديد لأوكرانيا في قلب أوروبا.
ابقَ على اطلاع دائم بكل جديد في العالم مع المنبر، منصتكم للأخبار الموثوقة.
Share this content:



