تصاعد الهجمات بين روسيا وأوكرانيا وسط مفاوضات السلام

تصاعد الهجمات بين روسيا وأوكرانيا وسط مفاوضات السلام

تصاعد الهجمات بين روسيا وأوكرانيا وسط مفاوضات السلام

قصف متبادل يضرب منشآت الطاقة في موسكو وكييف بينما تستمر مباحثات أمريكية روسية أوكرانية في الإمارات وسط مؤشرات على تقدم محتمل

تشهد الساحة الأوكرانية-الروسية تصعيداً عسكرياً غير مسبوق منذ أسابيع، حيث تبادلت موسكو وكييف تنفيذ هجمات واسعة النطاق طالت منشآت للطاقة والبنية التحتية في كلا البلدين، وذلك بالتزامن مع مباحثات دبلوماسية حساسة تستضيفها دولة الإمارات بهدف الدفع نحو اتفاق يضع حداً للحرب المستمرة منذ ما يقارب أربعة أعوام.

الهجمات الأخيرة جاءت في واحدة من أكثر الليالي دموية منذ مطلع العام 2026، حيث تعرّضت مناطق واسعة في أوكرانيا لقصف جوي روسي مكثف طال العاصمة كييف ومقاطعات الشرق والجنوب، فيما أعلنت موسكو سقوط قذائف أوكرانية وطائرات مسيرة على منطقة بيلغورود الحدودية داخل الأراضي الروسية.

Web_Photo_Editor-13-10 تصاعد الهجمات بين روسيا وأوكرانيا وسط مفاوضات السلام

قصف روسي هو الأعنف منذ أسابيع

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن روسيا شنت “أعنف موجة من الهجمات منذ أسابيع”، موضحاً في منشور على تطبيق “تلغرام” أن القوات الروسية أطلقت 370 طائرة مسيّرة قتالية، إضافة إلى 21 صاروخاً من طرازات مختلفة استهدفت مناطق متعددة في البلاد خلال ليلة السبت.

وأفادت السلطات الأوكرانية بسقوط خمسة قتلى وأكثر من عشرين مصاباً في القصف الذي استهدف العاصمة كييف ومقاطعتي خاركيف ودنيبرو. كما أكد مسؤولون أن الضربات الروسية ركّزت على البنية التحتية للطاقة، حيث تضررت محطات توليد رئيسية ما أدى إلى انقطاعات واسعة في التيار الكهربائي وتدمير عدد من المنشآت الصناعية.

وأضاف زيلينسكي أن “استهداف قطاع الطاقة يهدف إلى إضعاف القدرة الداخلية على الصمود”، لافتاً إلى أن ذلك يبرز الحاجة الملحّة لتسريع تزويد أوكرانيا بمنظومات دفاع جوي متطورة من الحلفاء الغربيين.

وأشار إلى أن بلاده تعتمد بشكل متزايد على “منظومات الدفاع الأوروبية والأمريكية”، وقال إنه طلب من واشنطن “إعادة تفعيل برامج التسليح العاجلة لتغطية النقص الدفاعي خصوصاً ضد الطائرات الانتحارية”.


هجوم أوكراني واسع على بيلغورود

في المقابل، أعلنت موسكو أن أوكرانيا شنت هجوماً هو الأكبر من نوعه على الأراضي الروسية منذ مطلع الشتاء، حيث استهدف القصف بلدة بيلغورود الحدودية، مركز منطقة تحمل الاسم نفسه.

وقال حاكم الإقليم فياتشيسلاف جلادكوف عبر قناته على “تلغرام” إن القصف الأوكراني “كان الأكبر من نوعه من حيث الضراوة والخسائر”، موضحاً أن “منشآت الطاقة الرئيسية تضررت واشتعلت النيران في أحد المباني المدنية”.

وأضاف أن شظايا طائرة مسيّرة أُسقطت تسببت في اندلاع حريق بفناء أحد المباني السكنية، فيما أدت مسيّرة أخرى إلى تدمير عدد من المنازل في قرية مجاورة. وأشار إلى أن فرق الطوارئ والدفاع المدني “لا تزال تعمل على إخماد الحرائق وإصلاح شبكة الكهرباء المتضررة”.

ووُصف الهجوم بأنه الأعنف منذ بدء الهجمات الأوكرانية على الداخل الروسي قبل نحو عام، حيث تكررت في الأشهر الأخيرة عمليات استهداف متبادل عبر الحدود في محاولة للضغط الميداني ضمن إستراتيجية “الاستنزاف المتبادل” التي يتبناها الجانبان.


تصعيد ميداني يواكب جولة مباحثات جديدة

ورغم سخونة الميدان، تزامن التصعيد العسكري مع جولة جديدة من المباحثات الدبلوماسية بين روسيا وأوكرانيا برعاية الولايات المتحدة، والتي تُستأنف هذا الأسبوع في العاصمة الإماراتية أبوظبي.

ووفقاً لتصريحات نقلتها وكالة “رويترز” عن مسؤول أمريكي رفيع، فإن الاجتماعات الأخيرة شهدت “تقدماً ملموساً” في بعض الملفات الحساسة، ما قد يمهد الطريق للقاء مباشر بين الرئيسين فلاديمير بوتين وفولوديمير زيلينسكي خلال الأسابيع المقبلة.

وقال المسؤول الأميركي إن الجانبين الروسي والأوكراني “أبديا استعداداً لمناقشة قضايا أوسع تتعلق بترسيم الحدود وضمانات الأمن”، لافتاً إلى أن المفاوضات “كانت مثمرة أكثر من الجولات السابقة”. وأضاف أن واشنطن مستمرة في لعب دور الوسيط الدبلوماسي النشط، في وقت تسعى فيه لتفادي أي انزلاق نحو مواجهة أوسع على الساحة الأوروبية.

Web_Photo_Editor-14-9 تصاعد الهجمات بين روسيا وأوكرانيا وسط مفاوضات السلام

ملف الأراضي يعرقل الوصول إلى اتفاق

رغم الأجواء الإيجابية الأولية، كشف دبلوماسي روسي لوكالة “تاس” أن قضية الحدود والإقليم الشرقي ما زالت تمثل “أصعب الملفات المطروحة” على طاولة الحوار. وقال المسؤول:

“ما تزال مناطق دونيتسك ولوغانسك وزاباروجيا مطروحة للنقاش، ولا توجد حتى الآن صيغة نهائية بشأن وضعها القانوني والإداري.”

من جانبه، أكد الرئيس الأوكراني في مداخلته أن الجولة الأخيرة كانت مثمرة وسمحت بـ”تبادل وجهات نظر بنّاءة حول مستقبل دونباس”، لكنه شدد على أن أي اتفاق محتمل يجب أن يحافظ على السيادة الكاملة لأوكرانيا. وأضاف:

“لن نسمح بتكرار سيناريوهات الماضي. نحن على استعداد للحوار، ولكن ليس على حساب وحدة أراضينا.”


دلالات سياسية وميدانية

يرى محللون أن التصعيد العسكري الأخير من الجانبين يحمل رسائل تفاوضية أكثر من كونه تحولاً نحو معركة شاملة. فكل طرف يحاول تحسين موقعه السياسي قبيل أي تنازلات محتملة في المفاوضات الجارية، مستغلاً الضغط العسكري لتعزيز أوراق التفاوض.

ويقول المحلل العسكري الأوكراني ميكولا بتروف إن “روسيا تحاول الإيحاء بأنها ما زالت تملك زمام المبادرة في الميدان رغم العقوبات والقيود”، بينما ترد كييف عبر ضربات نوعية على العمق الروسي لإثبات قدرتها على نقل المعركة خلف الحدود.

أما الخبير الروسي في العلاقات الدولية سيرغي أكسينوف، فيرى أن هجمات بيلغورود “تأتي في لحظة حساسة، بالتزامن مع نقاشات جدية حول مسودة اتفاق أمني طويل الأمد”، مضيفاً أن الكرملين يسعى لإظهار أن أي حل سياسي يجب أن يأخذ المصالح الروسية الأمنية في الاعتبار.

Web_Photo_Editor-15-5 تصاعد الهجمات بين روسيا وأوكرانيا وسط مفاوضات السلام

الإمارات.. ساحة للسلام المحتمل

اختيار الإمارات لاستضافة المفاوضات جاء – بحسب مسؤولين في كل من واشنطن وموسكو – لما تتمتع به أبوظبي من علاقات متوازنة مع الطرفين وقدرتها على تيسير الحوار بنهج حيادي وبراغماتي. وتشير مصادر دبلوماسية إلى أن العاصمة الإماراتية نجحت خلال الجولات الماضية في توفير “مناخ تفاوضي جاد بعيد عن التوترات الإعلامية”، مما يعزز إمكانية تحقيق اختراق تدريجي في مسار السلام.

كما يُنظر إلى دور الإمارات على أنه امتداد لجهودها المتواصلة في دعم الاستقرار الإقليمي والوساطة الإنسانية، حيث لعبت في الأشهر الماضية دوراً مهماً في تبادل الأسرى وتسهيل المساعدات الإنسانية عبر البحر الأسود.


مشهد مفتوح على كل الاحتمالات

مع استمرار جبهات القتال المشتعلة وغياب وقف إطلاق نار شامل، تظل المحادثات الجارية في أبوظبي مؤشراً إيجابياً محدود الأفق. فبينما يرى مراقبون أن الطرفين يختبران جدياً إمكانات التسوية، يحذر آخرون من أن أي إخفاق جديد في المفاوضات قد يدفع النزاع نحو تصعيد أكثر خطورة في الربيع المقبل.

وفي ظل استمرار الغارات الجوية الروسية والقصف الأوكراني المضاد، تبدو صورة الحرب أكثر تعقيداً مما كانت عليه في بداياتها، إذ يختلط العمل العسكري بالمناورة السياسية، وتغدو كل جولة ميدانية خطوة محسوبة في لعبة التفاوض الكبرى.

لكن الأكيد، وفق المراقبين، أن الحرب التي استنزفت موارد البلدين لسنوات وجعلت من أوروبا ساحة توتر دائم، لن تجد طريقها إلى النهاية إلا عبر حل سياسي شامل يعيد رسم موازين القوى ويكفل الأمن القومي للطرفين.

وحتى ذلك الحين، تبقى سماء بيلغورود وكييف مشتعلة، ومفاوضات أبوظبي شعاع الأمل الباهت في نفق حرب لم تخمد نيرانها بعد.

 

ابقَ على اطلاع دائم بكل جديد في العالم مع المنبر، منصتكم للأخبار الموثوقة.

موقع المنبر

Share this content: