ترمب يصعد تهديداته لإيران وسط أدلة استخبارية ملتبسة

ترمب يصعد تهديداته لإيران وسط أدلة استخبارية ملتبسة

ترمب يصعد تهديداته لإيران وسط أدلة استخبارية ملتبسة

تقرير لصحيفة نيويورك تايمز يكشف تناقض الخطاب السياسي الأميركي مع التقديرات الواقعية حول البرنامج النووي الإيراني والتداعيات العسكرية المحتملة

في تقرير موسّع، سلطت صحيفة نيويورك تايمز الضوء على التصعيد المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران في الأسابيع الأخيرة، مشيرة إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستعد لاتخاذ خطوات استباقية ضد طهران رغم غياب أدلة مؤكدة على وجود تهديد نووي وشيك.

التقرير الذي نُشر الجمعة، يرسم ملامح مشهد سياسي وأمني شديد التعقيد، تتداخل فيه الحسابات الانتخابية الأميركية مع التوجهات الإسرائيلية، في وقت تشهد فيه المنطقة حالة من الاحتقان غير المسبوق منذ اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده قبل أعوام.

ورغم أن ترمب يبرر خطابه بأنه دفاع عن الأمن الإقليمي ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي “إلى الأبد”، فإن الحقائق الاستخبارية، بحسب الصحيفة، لا تدعم فرضية الخطر النووي الوشيك، ما يثير تساؤلات حول الأهداف الحقيقية للتصعيد الأميركي الجديد.

Web_Photo_Editor-15-7 ترمب يصعد تهديداته لإيران وسط أدلة استخبارية ملتبسة

‘سلام أو ضربة أكبر’: شعار ترمب يتكرّر

ذكّرت الصحيفة بأن الرئيس الأميركي كان قد أعلن في يونيو/حزيران الماضي عن عمليات عسكرية قال إنها تهدف إلى منع إيران من الوصول إلى السلاح النووي بشكل نهائي. وخلال كلمته حينذاك، دعا القادة الإيرانيين إلى «صنع السلام»، محذرًا من أن «الهجمات القادمة ستكون أسهل وأكبر بكثير» إن لم يفعلوا ذلك.

لكن بعد أشهر من ذلك التهديد، تقول “نيويورك تايمز” إن الرئيس أعاد هذا الخطاب “بنبرة أكثر حدة” خلال الأسبوع الجاري، ملوّحًا بخيار الحرب الاستباقية ضد طهران، في وقت لا تشير فيه التقارير الميدانية إلى أي نشاط نووي جديد يُبرر مزاعم الإدارة الأميركية.


لا تقدم نووياً واضحاً في إيران

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين وأوروبيين، إلى جانب منظمات رقابية مستقلة تتابع البرنامج النووي الإيراني، أنه لا توجد مؤشرات على أن إيران أعادت بناء قدرات تخصيب اليورانيوم أو تطوير رأس نووي.

وأكدت المصادر أن طهران لم تقم برفع مستويات التخصيب إلى معدلات عسكرية، ولم تنفّذ أي خطوات لتصنيع أسلحة نووية منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي لعام 2015.

وذكرت الصحيفة أن القيادة الإيرانية تدرك حجم الاختراق الاستخباري الأميركي والإسرائيلي لمؤسساتها النووية، الأمر الذي يجعل أي تحرك غير معلن “مكشوفًا في بدايته”، ما دفع طهران إلى استراتيجية التريث والمناورة السياسية بدلاً من التسرع في العودة إلى سباق التسلح النووي.

Web_Photo_Editor-16-2 ترمب يصعد تهديداته لإيران وسط أدلة استخبارية ملتبسة

دوافع غامضة وراء التصعيد الأميركي

بحسب “نيويورك تايمز”، فإن التباين العميق بين المعلومات الاستخبارية الدقيقة والخطاب السياسي الصاخب في واشنطن يثير تساؤلات عن الدوافع الحقيقية للتصعيد.

وتطرح الصحيفة ثلاثة احتمالات رئيسية للأجندة الخفية وراء هذا التوتر المتجدد:

  1. إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات بشروط تخدم الرؤية الأميركية الجديدة بعد سلسلة العقوبات.

  2. إضعاف النظام الإيراني داخلياً عبر الضغط النفسي والعسكري لاستثمار الاضطرابات الاقتصادية الأخيرة.

  3. السعي لتغيير النظام أو إطاحة المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي في نهاية المطاف، وهو هدف تراه بعض الدوائر في البيت الأبيض “استراتيجياً طويل الأمد”.

وتلفت الصحيفة إلى أن دوائر رسمية أميركية تخشى أن يكون ترامب يسير نحو مغامرة عسكرية محسوبة الأثر على المدى القصير، لكنها محفوفة بالمخاطر الاستراتيجية على المدى البعيد.


البيت الأبيض: التهديد يتجاوز الملف النووي

تنقل الصحيفة عن مسؤولين في الإدارة الأميركية أن تشدد الرئيس إزاء طهران لا يستند فقط إلى الملف النووي، بل إلى ملفات أوسع تشمل النفوذ الإقليمي الإيراني ودعم الفصائل المسلحة في الشرق الأوسط.

وتؤمن دوائر الأمن القومي الأميركية، بحسب التقرير، بأن الاحتجاجات الاقتصادية الأخيرة داخل إيران تسببت بضعف داخلي في بنية النظام، ما يجعل أي ضربة عسكرية “قادرة على تسريع تفككه أو على الأقل إضعاف تماسكه”.

لكن هذه المقاربة، تقول الصحيفة، تفتقر إلى وضوح الرؤية بشأن اليوم التالي، إذ لا توجد ضمانات بأن سقوط النظام سيدفع باتجاه استقرار سياسي أو نظام أكثر تعاوناً مع الغرب.


حشد عسكري واسع وتحرك استخباري

على الصعيد الميداني، نقل التقرير عن مصادر في البنتاغون أن وزارة الدفاع بدأت بتنفيذ عمليات انتشار جديدة تشمل حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن”، وقاذفات “بي-2” الإستراتيجية القادرة على حمل ذخائر خارقة للتحصينات، في ما يشبه رسالة تحذير مبطنة مفادها أن “واشنطن جاهزة للرد في أي لحظة”.

وقال مسؤول عسكري أميركي للصحيفة إن هذه الخطوة “تُظهر أن البيت الأبيض يريد الاحتفاظ بكل الخيارات على الطاولة، من الردع إلى الضربة الوقائية”.

ورغم ذلك، يعترف قادة عسكريون بأن السيناريوهات بعد أي هجوم على إيران تظل غامضة وخطرة للغاية، إذ يصعب التكهن بردود الفعل الإيرانية وحلفائها في المنطقة.

ويقول وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في تصريحات للصحيفة إن “سقوط النظام الإيراني سيطرح سؤالاً معقداً حول شكل السلطة الجديد في البلاد، وكيف سيتم التعامل مع الحرس الثوري والمؤسسة الدينية العميقة”.


إسرائيل قلقة من الرد الإيراني المحتمل

يمتد هذا القلق – وفق تقرير نيويورك تايمز – إلى تل أبيب، حيث يخشى المسؤولون الإسرائيليون من أن أي مواجهة جديدة قد تدفع إيران إلى تجاوز قواعد الاشتباك التقليدية، لتستهدف المدن الإسرائيلية الكبرى بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وليس فقط المنشآت العسكرية.

ويرى محللون إسرائيليون أن أنظمة الدفاع الجوي – رغم تطورها – “قد لا تكون قادرة تماماً على اعتراض هجوم واسع ومتزامن”، خصوصاً في ظل الاستخدام المتزايد للطائرات المسيّرة منخفضة الارتفاع التي يصعب رصدها.

وفي حين تُجمع التقديرات الأميركية والإسرائيلية على أن الضربات السابقة ضد منشآت إيران النووية نجحت فقط في تأخير مشروعها بين ستة أشهر وسنة، فإنها لم توقف مساره بشكل كامل، على عكس ما يصرح به الرئيس ترمب الذي تحدث في عدة مناسبات عن “تدمير البرنامج بالكامل”.

Web_Photo_Editor-17-2 ترمب يصعد تهديداته لإيران وسط أدلة استخبارية ملتبسة

بين الخطاب السياسي والواقع الاستخباري

تُبرز الصحيفة الفجوة بين النبرة الصاخبة في تصريحات ترمب وبين ما تفيد به الوثائق الرسمية، إذ تؤكد الأخيرة أن نتائج الحملة العسكرية السابقة اقتصرت على “إضعاف كبير” للقدرات النووية الإيرانية، وليس القضاء عليها.

كما تشير الصحيفة إلى أن التقديرات الحديثة الصادرة عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية وفرق الرقابة التقنية لا تظهر أي نشاط جديد يثير القلق، مما يزيد من حيرة الحلفاء الأوروبيين حول أسباب تصعيد واشنطن.

ويرى محللون أميركيون أن سياسة ترمب تجاه إيران تجمع بين الضغط العسكري والإعلامي لتحقيق مكاسب سياسية داخلية في عام انتخابي، وفي الوقت نفسه إرسال إشارات ردع موجهة إلى روسيا والصين اللتين تواصلان مقاربة أكثر مرونة مع طهران.


مشهد معقّد ومستقبل غامض

تخلص “نيويورك تايمز” في تقريرها إلى أن المنطقة تقف على حافة مواجهة جديدة محفوفة بالمخاطر، إذ لم يعد الملف النووي وحده في مركز الصراع، بل انفتح المشهد على توازنات إقليمية ودولية أكثر هشاشة.

فبينما يسعى ترمب إلى إظهار الحزم وفرض هيمنة أميركية على الشرق الأوسط، يرى مراقبون أن أي خطأ في الحسابات قد يطلق سلسلة من الأحداث غير المتوقعة، تتجاوز إيران لتطال أمن الخليج وإسرائيل وربما الاقتصاد العالمي.

وت concludes الصحيفة بأن غياب الأدلة الواضحة على وجود “تهديد نووي عاجل” يجعل التحرك العسكري ضد طهران مقامرة استراتيجية قد تكون تكلفتها أعلى بكثير من المكاسب المرجوة، في وقت تبدو فيه إدارة واشنطن مصممة على المضيّ قدماً في مسار التصعيد اللفظي والعسكري على حدّ سواء.

وفي النهاية، يبقى الشرق الأوسط في حالة غليان دائم، بين تهديدات سياسية متبادلة وأدلة استخبارية غامضة، فيما يترقب العالم ما إذا كان صيف 2026 سيكون بداية مواجهة كبرى أم اختباراً جديداً لسياسة الردع الأميركية تجاه إيران.

 

ابقَ على اطلاع دائم بكل جديد في العالم مع المنبر، منصتكم للأخبار الموثوقة.

موقع المنبر

Share this content: