النفط يرتفع مع توتر الملاحة قبالة فنزويلا والحرب الأوكرانية
اعتراض ناقلات نفط وتشديد أمريكي على فنزويلا ينعشان الأسعار رغم مخاوف تخمة المعروض
سجّلت أسعار النفط مكاسب واضحة في التعاملات الآسيوية المبكرة اليوم الاثنين، مدفوعة بتصاعد التوترات الجيوسياسية في كل من فنزويلا وأوكرانيا، ما أعاد إلى السوق جانباً من علاوة المخاطر الجيوسياسية رغم استمرار القلق من تخمة المعروض العالمي. وجاء الارتفاع بعد اعتراض الولايات المتحدة لناقلة نفط في المياه الدولية قبالة السواحل الفنزويلية خلال مطلع الأسبوع، إلى جانب تعقّد مسار محادثات السلام بين روسيا وأوكرانيا، وتصاعد الضربات ضد أصول طاقة مرتبطة بروسيا.
تحركات الأسعار: مكاسب محدودة ولكن لافتة
بحلول الساعة 01:41 بتوقيت غرينتش، ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بنحو 44 سنتاً، أي ما يعادل 0.73%، لتُتداول حول مستوى 60.91 دولاراً للبرميل. أما العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي (WTI) فقد صعدت بمقدار 40 سنتاً، أو نحو 0.71%، لتبلغ 56.92 دولاراً للبرميل.
هذه التحركات الإيجابية تأتي بعد أسبوعين من الضغوط على أسعار النفط، حيث تكبّد خام برنت وغرب تكساس الوسيط خسائر تقارب 1% خلال الأسبوع الماضي، بعد تراجع بحوالي 4% في الأسبوع الذي بدأ في الثامن من ديسمبر/كانون الأول، نتيجة مخاوف متواصلة من وفرة الإمدادات وضعف وتيرة السحب من المخزونات في بعض الأسواق الكبرى.

اعتراض ناقلات قبالة فنزويلا يعيد مخاطر الإمدادات للواجهة
التطور الأبرز الذي حرّك السوق كان إعلان مسؤولين أمريكيين عن قيام خفر السواحل الأميركي باعتراض ناقلة نفط في المياه الدولية قرب فنزويلا خلال عطلة نهاية الأسبوع، في عملية هي الثانية من نوعها خلال أيام، والثالثة في أقل من أسبوعين إذا كُتبت لها النجاح.
هذا التحرك يأتي في سياق تشديد واشنطن ضغوطها على قطاع النفط الفنزويلي الخاضع للعقوبات، وضمن سياسة أوسع أعلن عنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض «حصار كامل وشامل» على ناقلات النفط الفنزويلية المستهدفة بالعقوبات. مثل هذه الإجراءات تعزز المخاوف من اضطرابات محتملة في سلاسل الإمداد، خاصة في الأسواق التي تعتمد على الخام الفنزويلي الثقيل أو على مسارات الشحن التي تمر عبر الكاريبي والساحل الشرقي لأمريكا اللاتينية.
محللون: الجغرافيا السياسية تعوّض ضغط المعروض
المحلل توني سيكامور، لدى شركة IG، أوضح أن التعافي الحالي في أسعار النفط يجد تفسيره في تصاعد المخاطر الجيوسياسية على أكثر من محور. فبعد إعلان ترامب عن الحصار المشدد على ناقلات النفط الفنزويلية، جاءت الأنباء عن ضربة أوكرانية بطائرات مسيرة استهدفت سفينة تابعة لما يُعرف بـ«أسطول الظل» الروسي في البحر المتوسط، وهو أسطول يُتهم بنقل النفط الروسي بعيداً عن أعين العقوبات.
سيكامور أشار إلى أن السوق «يفقد الأمل» في إمكانية توصل محادثات السلام الروسية الأوكرانية، التي ترعاها الولايات المتحدة بمشاركة أوروبية، إلى اتفاق دائم في المدى القريب، وهو ما يُبقي على حالة عدم اليقين المرتبطة بأمن الطاقة والبنى التحتية النفطية والبحرية في مناطق النزاع. هذه التطورات مجتمعة تساعد – بحسب المحلل – في تعويض الضغط المستمر الناجم عن المخاوف المتعلقة بتخمة المعروض في السوق العالمية.
محادثات السلام في فلوريدا: توحيد مواقف دون اختراق حقيقي
على الصعيد السياسي، قال المبعوث الأميركي الخاص، ستيف ويتكوف، إن المحادثات التي جرت خلال الأيام الثلاثة الماضية في فلوريدا، بمشاركة مسؤولين أميركيين وأوروبيين وأوكرانيين، ركزت على توحيد المواقف بشأن سبل إنهاء الحرب الروسية في أوكرانيا. ووصف ويتكوف تلك الاجتماعات، إلى جانب محادثات منفصلة مع مفاوضين روس، بأنها كانت «مثمرة» من حيث تبادل الرؤى وإعادة تقييم الخيارات المطروحة.
مع ذلك، جاءت الرسائل من موسكو أقل تفاؤلاً؛ إذ صرّح كبير مساعدي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للسياسة الخارجية بأن التعديلات التي أدخلها الأوروبيون والأوكرانيون على المقترحات الأميركية لإنهاء الحرب «لم تُحسّن من احتمالات السلام». هذا الموقف يعزز الانطباع السائد في الأسواق بأن الصراع مرشح للاستمرار، بما يحمله من مخاطر دورية على صادرات النفط الروسية، ومسارات الشحن في البحر الأسود والبحر المتوسط، إضافة إلى احتمالية تصاعد الهجمات على البنى التحتية للطاقة.
تأثير الحرب الأوكرانية و«أسطول الظل» الروسي على سوق النفط
تُعدّ الحرب الروسية الأوكرانية عاملاً حاسماً في تشكيل ملامح سوق النفط العالمية منذ اندلاعها، إذ أدت العقوبات الغربية إلى تغيّر عميق في خرائط تجارة النفط وأسعاره، ودفعت روسيا إلى الاعتماد على شبكة من الناقلات والشركات الوسيطة التي توصف إعلامياً بـ«أسطول الظل» لتجاوز القيود السعرية وملاحقات العقوبات.
استهداف سفينة من هذا الأسطول في البحر المتوسط عبر هجوم بطائرات مسيرة – كما أشارت التقارير – يبعث برسالة مفادها أن الصراع بدأ يلامس بشكل مباشر خطوط الإمداد غير الرسمية، ما يرفع منسوب المخاطر الجيوسياسية على ناقلات النفط وشركات التأمين والموانئ التي تتعامل مع الخام الروسي. مثل هذه الأحداث تزيد من حساسية السوق لأي خبر يتعلق بالهجمات أو العقوبات أو عمليات الاعتراض في البحار.

توازن هشّ بين وفرة المعروض وعلاوة المخاطر
على الرغم من هذه التطورات الجيوسياسية، لا تزال أساسيات السوق الأساسية تضغط في الاتجاه المعاكس؛ فالمستثمرون يراقبون عن كثب بيانات المخزونات الأميركية، ومستويات إنتاج أوبك+، والتوقعات بشأن النمو الاقتصادي العالمي. المخاوف من تخمة المعروض لم تتلاشَ، خاصة مع ارتفاع إنتاج بعض الدول، وتنامي قدرات النفط الصخري، وتباطؤ الطلب في بعض الاقتصادات الكبرى بسبب الضبابية الاقتصادية وارتفاع أسعار الفائدة في فترات سابقة.
ما تشهده السوق حالياً هو نوع من التوازن الهشّ: وفرة في الإمدادات من ناحية، تقابلها علاوة مخاطر جيوسياسية متجددة بسبب التوترات في فنزويلا، والعقوبات على نفطها، والحرب الروسية الأوكرانية، وما يرتبط بها من هجمات على أسطول الظل الروسي أو البنى التحتية للطاقة. هذا التوازن يجعل تحركات الأسعار عرضة لتقلبات حادة مع كل تطور جديد، سواء كان على مستوى الإمدادات الفعلية أو الأخبار السياسية والعسكرية.
نظرة مستقبلية: أسعار النفط بين السياسة والاقتصاد
المراقبون يتوقعون أن تظل أسعار خام برنت وغرب تكساس الوسيط في نطاقات متذبذبة خلال الأسابيع المقبلة، مع استمرار شدّ الحبل بين عاملين رئيسيين:
-
الضغوط النزولية المرتبطة بتخمة المعروض، واحتمال ضعف الطلب إذا تباطأ النمو العالمي أو شهدت بعض الاقتصادات ركوداً فنياً.
-
الضغوط الصعودية الناجمة عن تصاعد المخاطر الجيوسياسية، سواء في أمريكا اللاتينية بسبب تشديد العقوبات على النفط الفنزويلي واعتراض الناقلات، أو في أوروبا الشرقية والبحر الأسود والبحر المتوسط نتيجة استمرار الحرب في أوكرانيا.
في هذا السياق، ستبقى أنظار المستثمرين معلّقة على مسار محادثات السلام بين موسكو وكييف ومدى جدّيتها، وعلى أي خطوات إضافية من واشنطن بشأن «الحصار الكامل والشامل» لناقلات النفط الفنزويلية الخاضعة للعقوبات، إضافة إلى بيانات المخزونات الأسبوعية وتقارير أوبك+ حول مستوى الالتزام بحصص الإنتاج.
وبينما يعكس الارتفاع الحالي محاولة السوق تسعير مخاطر جديدة على جانب الإمداد، فإن استمرار هذا الاتجاه سيعتمد على ما إذا كانت هذه التطورات ستترجم إلى تعطّل فعلي في تدفق النفط، أم ستبقى في إطار رسائل سياسية وأمنية لا تغيّر كثيراً في حجم البراميل المتاحة في السوق العالمية.
ابقَ على اطلاع دائم بكل جديد في العالم مع المنبر، منصتكم للأخبار الموثوقة.
Share this content:


