اتفاق سوري إسرائيلي على خلية استخبارات وخفض التصعيد

اتفاق سوري إسرائيلي على خلية استخبارات وخفض التصعيد

اتفاق سوري إسرائيلي على خلية استخبارات وخفض التصعيد

محادثات باريس برعاية أمريكية تؤسس لمرحلة جديدة من التنسيق الأمني واحترام السيادة في المنطقة الحدودية

في تطور وُصف بأنه اختراق سياسي وأمني نادر بعد سنوات من العداء، أعلنت سوريا وإسرائيل اليوم الثلاثاء عن اتفاق مشترك لتأسيس خلية اتصال أمنية واستخبارية، بهدف خفض التصعيد العسكري وتنسيق الجهود لضمان أمن الحدود بين البلدين، وذلك عقب محادثات امتدت يومين في العاصمة الفرنسية باريس بوساطة ورعاية مباشرة من الولايات المتحدة.

وجاء الإعلان عبر بيان مشترك صادر عن وزارة الخارجية الأميركية، أكد أن مسؤولين كباراً من الجانبين السوري والإسرائيلي شاركوا في الجولة الجديدة من الحوار، وأبدوا التزاماً متبادلاً بـ”فتح صفحة جديدة قائمة على احترام السيادة وتحقيق الاستقرار الدائم في المنطقة”.

تأتي هذه المحادثات بعد نحو عام من انهيار النظام السوري السابق ودخول البلاد في مرحلة سياسية انتقالية مع حكومة مدعومة من تحالف إقليمي ودولي، تسعى لاستعادة السيطرة على الأراضي السورية وإعادة صياغة علاقاتها الإقليمية.


خلية تنسيق استخباري وآلية خفض التصعيد

البيان الأميركي المشترك كشف عن إنشاء خلية اتصال سورية إسرائيلية مشتركة، ستعمل كمنصة فورية لتبادل المعلومات الاستخبارية وتنسيق الإجراءات الأمنية والعسكرية، بهدف منع سوء الفهم الميداني وخفض التوترات على طول الحدود، خصوصاً في المناطق القريبة من هضبة الجولان المحتلة.

وتتضمن الآلية، وفق البيان، انخراطاً دبلوماسياً وتجارياً مشروطاً بإشراف أميركي مباشر، إلى جانب إجراءات لبناء الثقة تشمل مراقبة وقف الأنشطة العسكرية العدائية وتبادل البيانات الميدانية في الوقت الفعلي. كما ستُكلّف هذه الخلية بتسوية الخلافات الطارئة عبر القنوات العسكرية والدبلوماسية دون اللجوء إلى القوة.

وأكد البيان أن المحادثات في باريس انتهت بـ”مناقشات مثمرة” أتاحت “وضع الأسس المشتركة لالتزامات أمنية طويلة المدى”، وأن واشنطن “تثمّن الخطوات الإيجابية التي اتخذها الطرفان في طريق بناء الثقة المتبادلة”.

Web_Photo_Editor-13-3 اتفاق سوري إسرائيلي على خلية استخبارات وخفض التصعيد

الموقف السوري: لا اتفاق دون إنهاء الاحتلال

من الجانب السوري، نقلت وكالة “رويترز” عن مسؤول حكومي رفيع – فضل عدم الكشف عن هويته – أن دمشق ترفض الانتقال إلى ملفات استراتيجية قبل تحديد جدول زمني واضح وملزم لـ انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي السورية التي احتلتها إسرائيل عقب انهيار اتفاقية فضّ الاشتباك في ديسمبر 2024.

وأضاف المسؤول أن المقترح الأميركي الأخير ينص على وقف فوري للأنشطة العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية كبادرة حسن نية، معتبراً أن هذه الخطوة “فرصة تاريخية لإعادة إطلاق المفاوضات بطريقة إيجابية”.

وأكد المصدر ذاته أن “سوريا لا تتعامل مع هذه المفاوضات بوصفها تنازلاً، بل خطوة نحو استعادة سيادتها الوطنية وفق القانون الدولي”، مضيفاً أن دمشق ستصرّ على العودة إلى حدود ما قبل 8 ديسمبر 2024، تاريخ استغلال إسرائيل للفوضى في البلاد للتوغل داخل المناطق العازلة قرب الجولان.

وأوضحت وكالات الأنباء السورية أن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ترأس الوفد السوري المشارك في المباحثات، إلى جانب رئيس جهاز الاستخبارات العامة حسين السلامة، وأن اللقاءات انطلقت على قاعدة “تفعيل اتفاقية فضّ الاشتباك لعام 1974” بما يضمن انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي المحتلة حديثاً.


إسرائيل: تعزيز الأمن والتعاون الإقليمي

من جهتها، أكدت إسرائيل عبر مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن المحادثات حققت “تقدماً ملموساً نحو تعزيز الاستقرار والأمن الإقليمي”، مشددة على أن تل أبيب تبحث سبل “تطوير تعاون اقتصادي وأمني مع السلطة السورية الجديدة” برعاية أميركية.

وقال بيان المكتب إن إسرائيل “ملتزمة بضمان حدود سلمية ومستقرة مع سوريا، وبحماية المجتمعات المحلية على جانبي الحدود”، في إشارة إلى الطائفة الدرزية والمكونات المسيحية التي تمتد عبر الجولان والمناطق المحاذية.

لكن المتحدثة باسم الحكومة الإسرائيلية شوش بيدروسيان رفضت الإفصاح عن أي تفاصيل تتعلق باحتمال انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي السورية المحتلة حديثاً، مكتفية بالقول إن “المحادثات تدور حول أمن المنطقة وحماية المصالح الإنسانية والدينية”.

وبحسب القناة الإسرائيلية 12، فإن الجولة الخامسة من المفاوضات ركّزت على الاتفاق الأمني طويل الأمد، بينما نقلت قناة “آي 24 نيوز” عن مسؤول إسرائيلي قوله: “اتفق الطرفان على تفعيل قناة اتصال فورية لتبادل المعلومات الميدانية ومنع التصعيد غير المقصود”.


واشنطن: دعم أميركي وتحول في الموقف

تعتبر الإدارة الأميركية هذه الجولة خطوة مهمة لترسيخ ما تصفه بـ”الهيكل الأمني الجديد في الشرق الأوسط”، القائم على تسويات واقعية بدل المواجهات التقليدية. وأشاد البيان المشترك بالدور القيادي للرئيس دونالد ترامب، الذي عمل – بحسب نص البيان – على “تهيئة مناخ تفاهم إقليمي يقوم على الاحترام المتبادل وتحقيق المصالح المشتركة”.

مسؤول في الخارجية الأميركية وصف لقاء باريس بأنه “إشارة واضحة على نضوج مقاربة أمنية جديدة بين دمشق وتل أبيب، قادرة على إنهاء نصف قرن من التوترات المستمرة”، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة ستواصل الإشراف على تنفيذ الآلية وتقييم التزام الجانبين ببنود وقف التصعيد.

Web_Photo_Editor-14-3 اتفاق سوري إسرائيلي على خلية استخبارات وخفض التصعيد

خلفية تاريخية: من فضّ الاشتباك إلى الحوار الأمني

يعود آخر اتفاق رسمي بين سوريا وإسرائيل إلى اتفاقية فضّ الاشتباك لعام 1974 التي أرست خطوط التماس بعد حرب أكتوبر 1973 بوساطة أمريكية، لتبقى منذ ذلك التاريخ إطاراً مرجعياً لوقف إطلاق النار وحفظ الاستقرار في الجولان.

لكن تدهور الأوضاع في سوريا بعد عام 2011، ثم انهيار النظام السابق في أواخر 2024، دفع إسرائيل إلى التوسع داخل المناطق العازلة بزعم تأمين حدودها الشمالية. ومنذ ذلك الحين، شهدت محافظتا القنيطرة ودرعا توترات متكررة شملت غارات إسرائيلية شبه يومية على مواقع سورية.

المصادر الحكومية السورية تؤكد أن إسرائيل “استغلت الفراغ الأمني والسياسي” لتوسيع نفوذها الميداني، وأن تثبيت خطوط جديدة سيبقى مرفوضاً ما لم يعد الوضع إلى ما كان عليه وفق المواثيق الدولية.


دمشق: السيادة فوق أي اعتبار

أوضح بيان لوزارة الخارجية السورية مساء الثلاثاء أن موقف دمشق من الانفتاح الدبلوماسي مع إسرائيل “لا يعني بأي شكل من الأشكال التخلي عن الحقوق الوطنية الثابتة“، مؤكداً أن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يستند إلى “إعادة الأراضي المحتلة وضمان السيطرة الكاملة على الثروات والحدود السورية”.

وأكد البيان أن الحكومة السورية “تتعاطى بإيجابية مع كل المبادرات التي تحترم السيادة وتخدم الأمن الإقليمي”، مشيراً إلى أن المفاوضات الجارية “تهدف إلى الوصول إلى اتفاقية أمنية متكافئة تضمن الندية والاحترام المتبادل”.


ما وراء اتفاق باريس

يرى محللون أن نتائج محادثات باريس تمثل تحولاً في معادلة القوة شرق المتوسط، إذ يفتح إنشاء خلية الاتصال المشتركة الباب أمام تقارب أمني غير مسبوق بين بلدين ظلا على خلاف وجودي لعقود.

ويرى الخبير الإستراتيجي الفرنسي سيرج لورو أن “تأسيس هذه الآلية يمثل مرحلة انتقالية تشبه بدايات اتفاقات التطبيع العربية السابقة، لكن بحذر أكبر وبتحت إشراف أميركي مباشر، مع التركيز على الجانب الأمني قبل السياسي.”

أما في الداخل السوري، فتتباين ردود الفعل بين الآمال في وقف الغارات الإسرائيلية المتكررة على الجنوب السوري، والتخوف من أن يتحوّل التعاون الاستخباري إلى وسيلة لتقويض السيادة الوطنية.


نحو مرحلة جديدة من التوازن الإقليمي

رغم الغموض الذي يحيط بالتفاصيل، فإن المؤكد أن جولة باريس رسمت ملامح مرحلة جديدة من العلاقات الإقليمية في المنطقة التي عانت لعقود من الحروب. فالاتفاق على التعاون الاستخباري وخفض التصعيد لا ينهي الخلافات السياسية، لكنه يشير إلى إرادة مشتركة لتفادي صدامات جديدة وبناء قواعد تواصل دائمة بإشراف دولي.

وفي ظل تأكيد الطرفين على استمرار اللقاءات المقبلة “خلال الأسابيع القادمة”، تترقب الأوساط السياسية ما إذا كانت هذه الآلية الأمنية ستتحول إلى رافعة سلام دائم، أم أنها خطوة مؤقتة تمليها الحسابات العسكرية الراهنة في سوريا والمنطقة.

ما بين مطالب دمشق بالسيادة الكاملة وهواجس إسرائيل من أمن الحدود، تقف الوساطة الأميركية في اختبار جديد بين ضمان المصالح الاستراتيجية واحتواء بؤر التوتر التاريخية، لعلها تفتح الباب أمام شرق أوسط أقل اضطراباً وأكثر استعداداً للحديث بلغة التفاوض بدل لغة المدافع.

 

ابقَ على اطلاع دائم بكل جديد في العالم مع المنبر، منصتكم للأخبار الموثوقة.

موقع المنبر

Share this content: