أين تُصنَّع فعلياً هواتف سامسونج الذكية؟
خريطة تصنيع عالمية من فيتنام والهند إلى الصين والبرازيل تكشف سر انتشار هواتف جالاكسي
قد يظن كثيرون أن هواتف سامسونج تُصنَّع أساساً في كوريا الجنوبية، موطن الشركة الأم، أو في الصين بوصفها “مصنع العالم” للإلكترونيات، لكن واقع سلسلة التصنيع لدى سامسونج أكثر تعقيداً وتنوعاً جغرافياً مما يبدو للوهلة الأولى. فالعملاق الكوري لا يكتفي بالتصنيع في بلد واحد أوالهواتف الذكية من سامسونج لا تأتي من المكان الذي يتوقعه أغلب المستهلكين؛ فبرغم أن كوريا الجنوبية هي موطن الشركة، وأن الصين تُلقَّب بـ«مصنع العالم»، فإن الجزء الأكبر من هواتف Galaxy التي تصل إلى يديك يُصنَّع فعلياً في دول أخرى، ضمن شبكة إنتاج عالمية معقدة وموزّعة بعناية لخدمة أهداف التكلفة والجودة وتقليل المخاطر. هذه الحقيقة تُبرز جانباً أقل شهرة في قصة نجاح سامسونج: أنها ليست مجرد شركة هواتف، بل إمبراطورية تصنيع متكاملة تدير سلاسل إمداد تمتد عبر قارات عدة.
كيف تُصنع هواتف سامسونج… ولماذا تختلف عن منافسيها؟
معظم شركات الهواتف الذكية اليوم لا تصنّع أجهزتها بالكامل بنفسها؛ فهي تضع التصميم والهندسة والبرمجيات، ثم تُسند الإنتاج والتجميع الفعلي إلى شركات متخصصة في «خدمات تصنيع الإلكترونيات» مثل فوكسكون وغيرها. هذا ما يحدث مع هواتف آيفون وبيكسل مثلاً، حيث تنفّذ شركات طرف ثالث الجزء الأكبر من عمليات التصنيع والتجميع، بينما تركز آبل وغوغل على التصميم والنظام والبرمجيات.

سامسونج، بالمقابل، تُعدّ الشركة الأكثر تكاملاً رأسياً في قطاع الهواتف الذكية. فهي لا تكتفي بتصميم أجهزة Galaxy، بل تصنّع داخلياً عدداً كبيراً من المكوّنات الحساسة والغالية في الهاتف، مثل:
-
شاشات OLED المتقدمة، التي تُعد من الأفضل في السوق، وتزوّد بها حتى منافسين مثل أحدث هواتف آيفون وبيكسل.
-
رقائق الذاكرة DRAM وNAND.
-
معالجات Exynos في عدد من الطرازات.
-
مستشعرات الكاميرا والبطاريات.
مع ذلك، لا تنتج سامسونج كل شيء بنفسها؛ فهي تستخدم في بعض هواتفها معالجات سنابدراغون من كوالكوم، وزجاج Gorilla Glass من كورنينج، ومكوّنات أخرى من موردين مختلفين، لكنها تبقى مسؤولة عن الجزء الأكبر والأغلى من عملية التصنيع، ما يمنحها تحكماً عالياً في الجودة والتكلفة مقارنة بكثير من منافسيها.
فيتنام: القلب الصناعي لهواتف Galaxy
أكبر مفاجأة في خريطة إنتاج هواتف سامسونج هي فيتنام؛ فهذه الدولة تحوّلت خلال السنوات الماضية إلى «القوة العالمية» لصناعة Galaxy. تشير التقديرات إلى أن نحو نصف هواتف سامسونج الذكية تُصنع في مصانعها هناك، في مجمّعين ضخمين في محافظتي تاي نغوين وباك نينه.
هذه المنشآت تُعد مركز التصنيع الرئيسي لسامسونج، وتغذي الجزء الأكبر من الهواتف التي تُباع في أسواق كبرى مثل أميركا الشمالية وأوروبا. وفي أغسطس 2025، سجّلت سامسونج إنجازاً بارزاً بإنتاج أكثر من ملياري هاتف من مصانعها الفيتنامية منذ افتتاحها الأول عام 2009، ما يوضح حجم الاعتماد على هذا البلد في استراتيجية الإنتاج العالمية.
اختيار فيتنام لم يأتِ من فراغ؛ فهو يجمع بين:
-
تكلفة عمالة تنافسية.
-
استقرار سياسي نسبي.
-
بيئة تشريعية مشجّعة للاستثمار الأجنبي.
-
موقع جغرافي ملائم لتصدير الهواتف إلى آسيا وأوروبا وأميركا.
الهند: أكبر مصنع للهواتف في العالم
الهند تحتل المرتبة الثانية في خريطة إنتاج سامسونج، وهي موطن أحد أكبر مصانع الهواتف الذكية على مستوى العالم في مدينة نويدا. هذا المصنع العملاق يستطيع إنتاج ما يصل إلى 120 مليون هاتف سنوياً بمفرده.
ورغم أن الهدف الأول من إنشاء هذا المجمع الصناعي كان تلبية الطلب الضخم في السوق الهندية المحلية، فإنه تحوّل بمرور الوقت إلى مركز تصدير رئيسي إلى الأسواق الغربية أيضاً. وتستفيد سامسونج هنا من مبادرات مثل «صُنع في الهند»، التي تقدم حوافز للشركات التي تصنّع محلياً، ما يساعدها على خفض التكلفة وتجنّب رسوم استيراد مرتفعة، وفي الوقت نفسه تسريع وصول المنتجات إلى المستهلك النهائي.
كوريا الجنوبية: موطن الهواتف الرائدة لا الكميات الضخمة
قد يكون مفاجئاً أن حجم الإنتاج في كوريا الجنوبية – موطن سامسونج – صغير نسبياً مقارنة بفيتنام والهند. التقديرات تشير إلى نحو 20 مليون وحدة سنوياً فقط، أي أقل من 10% من إجمالي إنتاج هواتف الشركة الذي يدور حول 230 مليون جهاز سنوياً.
تركّز سامسونج في مصانعها الكورية على:
-
أحدث الهواتف الرائدة مثل سلسلة Galaxy Z Fold والأجهزة المتقدمة الأخرى.
-
طرازات مخصصة للسوق الكورية المحلية.
هذا يعني أن «قمة هرم الابتكار» غالباً ما تُصنّع في كوريا الجنوبية، حيث تقترب فرق البحث والتطوير من خطوط الإنتاج، بينما تُترك أحجام الإنتاج الأضخم والأكثر تكراراً لمرافق فيتنام والهند وغيرها.
البرازيل وإندونيسيا: تصنيع محلي لمواجهة الرسوم والطلب الكبير
في أسواق ذات رسوم استيراد مرتفعة مثل البرازيل، يصبح من المنطقي اقتصادياً إنشاء مصانع محلية بدلاً من استيراد الهواتف الجاهزة. لهذا السبب تدير سامسونج مصانع في كامبيناس وماناوس، تلبّي الطلب الداخلي وتتجنب أعباء جمركية كبيرة كانت سترفع أسعار الأجهزة بشكل ملحوظ على المستهلك.
الأمر نفسه ينطبق على إندونيسيا، التي تُعد من أكبر أسواق الهواتف الذكية في العالم بأكثر من 285 مليون نسمة. من خلال مصنع محلي، تستطيع سامسونج:
-
تجاوز رسوم الاستيراد العالية والقيود التنظيمية.
-
خدمة السوق الإندونيسية الكبيرة بسرعة ومرونة.
-
استخدام إندونيسيا كنقطة انطلاق لتلبية الطلب في أسواق إقليمية مجاورة.
الصين: خروج سامسونج… لكن الإنتاج مستمر بيد شركاء
رغم شهرة الصين كـ«مصنع العالم»، قررت سامسونج في 2019 إغلاق آخر مصانعها المملوكة لها هناك في مدينة هويتشو، بعد أن ظلت حصتها السوقية في الصين لسنوات عند حدود 2% تقريباً، ما جعل امتلاك مصانع خاصة عبئاً مالياً أكثر منه ميزة.
لكن هذا لا يعني أن هواتف سامسونج لم تعد تُصنع في الصين؛ فالواقع أن جزءاً كبيراً من إنتاج الشركة – يُقدَّر بنحو 25% أو أكثر من 60 مليون جهاز سنوياً – يتم عبر شركات صينية من نوع «مصنّعي التصميم الأصلي» (ODMs) مثل Wingtech وغيرها.

هذه الشركات لا تقوم بمجرد التجميع، بل تتولى:
-
تصميم الهاتف من الداخل والخارج وفق مواصفات تضعها سامسونج.
-
تأمين المكوّنات اللازمة.
-
التصنيع الكامل للجهاز.
بعد ذلك، تخضع الأجهزة لعمليات تدقيق صارمة من سامسونج للتأكد من مطابقتها لمعاييرها في المظهر والجودة والملمس قبل أن تُطرح في الأسواق.
غالباً ما تُستخدم هذه الاستراتيجية مع الطرازات الاقتصادية مثل سلسلة Galaxy M وبعض طرازات Galaxy A، ما يسمح لسامسونج بتقديم هواتف بأسعار تنافسية جداً في مواجهة العلامات الصينية، مستفيدة من وفورات الحجم والخبرة التصنيعية لمصانع مثل Wingtech التي تنتج هواتف منخفضة التكلفة لعدة علامات تجارية في آن واحد.
لماذا توزّع سامسونج تصنيع هواتفها على هذا العدد من الدول؟
انتشار مصانع سامسونج ومورديها عبر دول عدة ليس صدفة، بل نتيجة ثلاثة اعتبارات استراتيجية رئيسية:
-
توزيع المخاطر وعدم الاعتماد على نقطة واحدة
الاعتماد على مصنع واحد أو دولة واحدة يمثّل مخاطرة كبيرة؛ فالكوارث الطبيعية، أو الأعطال الكبرى، أو حتى الإضرابات العمالية، يمكن أن توقف الإنتاج بالكامل. عبر توزيع التصنيع على فيتنام والهند وكوريا والبرازيل وإندونيسيا والصين (من خلال الشركاء)، تضمن سامسونج استمرار تدفق الهواتف إلى الأسواق حتى لو تعطّل أحد المراكز مؤقتاً. -
منطق التكلفة والضرائب والحوافز
كثير من الدول تفرض رسوماً جمركية مرتفعة على استيراد الإلكترونيات الجاهزة، بهدف تشجيع التصنيع المحلي وخلق وظائف. حين تبني سامسونج مصانع داخل هذه الدول، فإنها:-
تتجنب الرسوم الثقيلة، ما يسمح لها بتسعير أجهزتها بشكل أكثر تنافسية.
-
تستفيد من الحوافز التي تقدّمها الحكومات، مثل إعفاءات ضريبية أو دعم للبنية التحتية ضمن برامج مثل «صُنع في الهند».
-
تقرّب المنتج من المستهلك، فتقلّل زمن الشحن وتردّ أسرع على تغيّرات الطلب.
-
-
التحوّط من الحروب التجارية والتوترات السياسية
في عالم يشهد حروباً تجارية متكررة وفرض تعريفات جمركية متبادلة – كما حدث بين الولايات المتحدة والصين – يصبح التركّز في بلد واحد خطراً استراتيجياً. إذا فرضت دولة ما تعريفات عالية على الواردات من دولة معينة، ستتضرّر الشركات التي تنتج معظم سلعها هناك. سامسونج، بفضل تنويع مواقع التصنيع، تستطيع عند الحاجة نقل جزء من الإنتاج إلى دول أخرى لتقليل تأثير أي عقوبات أو رسوم مفاجئة.
خلاصة: هاتفك من سامسونج… نتاج منظومة عالمية معقّدة
حين تشتري هاتفاً من سلسلة Galaxy، قد يكون قد مرّ عبر خطوط إنتاج في فيتنام أو الهند أو كوريا الجنوبية أو البرازيل أو إندونيسيا أو مصانع شركاء في الصين، بينما تأتي شاشته من مصنع كوري أو فيتنامي، وذاكرته من أحد مجمعات سامسونج للرقائق، وزجاجه من كورنينج، ومعالجه من Exynos أو سنابدراغون.
هذه الشبكة المعقّدة تجعل من سامسونج واحدة من أكثر الشركات تكاملاً وتأثيراً في صناعة الإلكترونيات عالمياً، وتفسّر كيف نجحت في إنتاج ما يقارب 230 مليون هاتف سنوياً مع الحفاظ على مستويات جودة مرتفعة وأسعار قادرة على منافسة عشرات العلامات في كل فئة سعرية.
ابقَ على اطلاع دائم بكل جديد في العالم مع المنبر، منصتكم للأخبار الموثوقة.
Share this content:


